fbpx

السبت 17 ربيع الأول 1443ﻫ - 23 أكتوبر، 2021

باريس تبحث عن وجه انتصار قُبيل انسحابها من الساحل الأفريقي

img

ما زالت تبعات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وما خلفه من ردود فعلٍ سلبية على الصعيد الدولي، واحباط لجهود الدول الغربية الساعية لمحاربة الارهاب في العديد من مناطق العالم، تُلقي بظلاها على الساخة الدولية، حيث بدا ذلك واضحاً في رغبة باريس برفع معنويات قواتها العسكرية في القارة الإفريقية ومنحهم الثقة، عبر شن هجماتٍ نوعية ضد الجهاديين وتحطيم نشوة انتصارهم بالنظر لما حدث في أفغانستان.

فقد أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن احتفائه بعملية تصفية قوات بلاده لزعيم داعش في الصحراء الكبرى عدنان أبووليد الصحراوي على حسابه في موقع تويتر، الخميس الماضي، الأمر الذي أظهر حاجة باريس إلى نصر رمزي يعوض خسائر المرحلة السابقة على يد التنظيم الجهادي النشط في كل من في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

وبعثت عملية تصفية زعيم داعش، الذي يُعد من الخصوم الرئيسيين لفرنسا في المنطقة، برسائل دعم معنوي للعملية الأوروبية التي تقودها فرنسا وألمانيا في منطقة الساحل الغربي لأفريقيا، حيث ينشط تنظيم داعش على طول الحدود بين مالي والنيجر، وهو ما بدا مفهومًا في سياقات تركيز باريس على خلق هالة إعلامية حول العملية باعتبارها إنجازًا ميدانيًا ربما يعوضها عن نكسات أمنية وعسكرية سابقة.

وقد سبق مقتل الصحراوي عبر غارة في شرق مالي، نجاح القوات الفرنسية في اصطياد قياديين آخرين ينتميان إلى داعش وهما أبوعبد الرحمن الصحراوي الذي كان مكلفًا بديوان القضاء، والثاني عيسى الصحراوي المسؤول المالي للتنظيم في الصحراء الكبرى.

وذكرت وزارة الجيش الفرنسية أنها قضت على عناصر مهمة في تنظيم الدولة الإسلامية بالصحراء الكبرى في يونيو الماضي، من ضمنها الدادي ولد شعيب المكنى بأبي الدردار، والمحمود أغ باي المكنى بإيكاراي، وهما من أهم عناصر داعش.

ولا يخلو استهداف فرنسا لقادة داعش في الساحل والصحراء، وفي مقدمتهم القيادي البارز أبووليد الصحراوي، من مؤشرات سلبية بشأن استمرار القوات الفرنسية من عدمه في الساحة الأفريقية خاصة بعد الإعلان عن انسحابها التدريجي، لأن تكثيف الهجمات على داعش وتصفية رموزه يصب في مصلحة منافسه في القاعدة الذي يمثله تحالف نصرة الإسلام والمسلمين ويبدي مرونة نسبية بشأن الحوار والتفاوض ويميل إلى الانخراط في الحالة المحلية دون إعطاء أولوية للجهاد العابر للحدود.

ورغم ما تمثله عملية تصفية أبووليد الصحراوي من نصر معنوي للقوات الفرنسية إلا أن قراءتها في ضوء الانسحاب الأميركي من أفغانستان دفعت بعض الدول الأوروبية التي تضررت منه وتخشى تمزق جهودها هي الأخرى في أفريقيا إلى تبني مقاربة هدفها إثبات الوجود عبر عمليات تعكس عدم تأثرها بالفشل الأميركي في الساحة الأفغانية. وفي نفس الوقت تتعلم من الدرس الأفغاني، الأمر الذي وضح من خلال توخي نزع أنياب داعش الذي يمثل الخطر الأكبر الذي هدد القوات الغربية أثناء تنفيذ مهمة الإجلاء من كابول حيث قام بتفجير في المطار أودى بحياة العشرات.

يعني ذلك أن فرنسا في الوقت الذي أرادت فيه خلق انتصار دعائي يقوي عزيمة جنودها وحلفائها ويثبط نشوة الجهاديين في ضوء المستجدات في أفغانستان، تركت انطباعًا سلبيًا بشأن قرب رحيل قواتها من دول الساحل والصحراء، لأن استهداف داعش وتقويض قدراته يعنيان توفير إجلاء آمن وتكريسا لنفوذ جهاديين منافسين على الأرض، وفق معادلة تعني رضاء الغرب بمجرد اختراق الحالة الجهادية والمناورة بجناح ضد آخر وترك الساحة دون حسم نهائي أو إحراز انتصار كامل على الطيف الواسع للجماعات المتطرفة المسلحة.

من المستفيد؟
رغم الخسائر التي تكبدها تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى واصل عزمه على فرض تطبيق الشريعة بشكل صارم متهمًا القاعدة بالميوعة العقائدية والتهاون في تطبيق الشريعة، وظل ذلك التنافس في مواجهة القاعدة يفيد مجموعة أبوالوليد الصحراوي لمواصلة مد نفوذه.

وتُعد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أكبر من حيث العدد والإمكانيات مقارنةً بتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، ويعوض الأخير هذا الفارق باستمالة السكان المحليين بالرشاوى وأحيانًا بالترهيب لتمكينه من الإيقاع بضحاياه، سواء من الأجانب أو من المدنيين المحليين.

لهذه الأسباب مجتمعة، المتمثلة في الابتزاز والحصول على الفدى والأموال مقابل إطلاق المخطوفين وتثبيت الزعامة والمنافسة مع الكيانات الموالية للقاعدة، شرع تنظيم داعش في الصحراء الكبرى بقيادة أبوالوليد الصحراوي في تطوير مجموعته، وبحلول نهاية عام 2019 بدأ التنظيم يشن هجمات نوعية متطورة ومؤلمة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مستخدمًا الطائرات دون طيار للقيام بعمليات استطلاع قبل شن هجماته، ومستفيدًا من الأسلحة المتطورة التي يحصل عليها كغنيمة بعد عملياته ضد تمركزات القوات الأجنبية.

وترتب على صعود نفوذ داعش وتوسعه في الصحراء الكبرى تنفيذ العديد من الهجمات ضد القوات الفرنسية والغربية وهي الهدف المفضل لدى أبووليد الصحراوي وقادة داعش عمومًا، وعلى ضوء ذلك صنعوا دعاية تستقطب من تعرضوا لهزات فكرية داخل تنظيم القاعدة نتيجة قبول الأخير الانخراط في معاهدات صلح مع الحكومات المحلية.

وارتكز الصراع مؤخرًا بين القاعدة وداعش في الساحل والصحراء، بعد فترة تعايش لم تدم طويلا، على الاستحواذ على مصادر التمويل، خاصة في المناطق الحيوية والغنية بالموارد والثروات الطبيعية كموارد تعدين الذهب في المنطقة الحدودية بين توغو وبنين وبوركينا فاسو، ما يقلل من اعتماد داعش فقط على الخطف للحصول على فدى كمصدر رئيسي لتمويله.

تمتع داعش باستقرار وثبات على مستوى القيادة وامتلاكه قيادة رمزية قوية، جعله صامدًا في مضمار المنافسة مع القاعدة، التي واصلت المكوث على رأس التنظيم على مدار سنوات طويلة، ممثلة في القيادي المخضرم أبووليد الصحراوي، مقابل معاناة القاعدة من فقد قادته المؤثرين وآخرهم عبدالملك دروكدال (أبومصعب عبدالودود).

وما جرى مؤخرًا من استهداف القوات الفرنسية لقادة داعش في الساحل والصحراء الكبرى وفي مقدمتهم أبووليد الصحراوي قد يعدل موازين القوى بين داعش والقاعدة بعد أن رجحت الكفة لصالح داعش؛ حيث صار التنظيمان الآن سواء في فقدان القادة الكبار المؤثرين وربما سيتساويان لاحقًا في التناحر والانقسامات الداخلية.
التنظيمان اللذان مرا بمرحلة تعايش في منطقة الساحل قبل أن ينقلبا إلى الاقتتال، وهو ما وضح من طبيعة ومستويات المواجهات التي قادها داعش ضد القاعدة بداية من ديسمبر العام الماضي والتي سقط فيها مئات القتلى والجرحى من الطرفين، لن تكون لأحدهما خلال المرحلة المقبلة مزية على الآخر في ما يتعلق بالحضور القيادي الرمزي الذي حافظ عليه داعش في الفترة الماضية عبر إفلات قادته من الاستهداف الغربي.

من هو ابو الوليد الصحراوي؟
تميز أبووليد الصحراوي بالغلظة وقلة الكلام واعتمد سياسة حرب العصابات والصدمة والترهيب، وعبر تلك الصفات تمكن من أن يكرس نفوذه كقائد مطلق لتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، ويسعى لإقامة مشروع ديني كبير بمنطقة الحدود المشتركة بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو وبسط الهيمنة الجهادية على الساحل الأفريقي الممتد على طول خمسة آلاف كيلو متر أسفل الصحراء الكبرى.

وكان الصحراوي، الذي انتقل من عضو في جبهة البوليساريو التي تطالب بانفصال الصحراء المغربية عن المغرب إلى صفوف الجماعات التكفيرية المسلحة، مولعًا بالزعامة والتفرد بها؛ لذلك انفصل عن شريكه الجزائري مختار بلمختار الذي أسس معه حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا مفضلًا مبايعة زعيم داعش السابق أبوبكر البغدادي.

والصحراوي الذي بدأ عملياته الملفتة ضد المصالح الغربية بخطف إسبانيين وإيطالية سنة 2011 طالبًا فدية مقابل إطلاقهم قدرها 15 مليون يورو، كان لديه ميل كبير إلى التفرد بالقيادة ويتوجس من بروز قائد في القاعدة أو في داعش ينافسه على نفوذه ومكانته، فضلًا عن أنه كان يعتنق أفكارًا قريبة من قناعات داعش ولم يكن يتردد في شن هجمات على القوات الأجنبية وقوات النيجر عند الحدود مع مالي، وأظهر لامبالاة بقتل مدنيين.

ولم تهدف العديد من العمليات التي نفذها أبووليد الصحراوي فقط إلى إحداث صدى خارجي وتخويف الغربيين إنما هدفت أيضا إلى إثبات قوته على الساحة وبعث رسالة مفادها لا أحد يستطيع التغطية على زعامته وأن تكتل القاعدة في الساحل والصحراء غير قادر على تهميش تنظيمه.

لن يفيد قتل قائد داعش في منطقة الساحل والصحراء فرنسا من جهة تقويض أعدائها وحرمانهم من قادتهم الأقوياء، فلا يزال التنظيم قادرًا على مزاولة نشاطه وتصعيد قادة بدلًا ممن جرت تصفيتهم بل ربما يرفع ما جرى من وتيرة العمليات الإرهابية، حيث يحرص التنظيم بعد تصفية قائده على إثبات عدم تأثره وبأنه ماض في تنفيذ خططه، إنما من جهة تكريس نفوذ وقوة منافسي داعش الأكثر انحيازًا للمحلية والتفاوض.

ويبدو أن القوى الغربية تحرص عقب النكسة الأميركية في أفغانستان على ألا يكون رحيلها مصحوبًا بكوارث مشابهة؛ حيث تحرص على بعث الثقة في جنودها بغرض التماسك وعدم التسرع أو الانهيار، علاوة على تمهيد الطريق لقوى إسلامية أقل خطرًا على الغرب مقارنةً بداعش.

img
الادمن

العدسة

اترك تعليقاً

العلامات