fbpx

الثلاثاء 1 رمضان 1442ﻫ - 13 أبريل، 2021

هل من مواجهة محتملة للمشروع التركي “المارق”؟

img

على وقع إصرار أنقرة مواصلة سياساتها العدوانية تجاه دول الشرق الأوسط تحت حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يزداد التململ يوما يعد يوم في البلدان العربية تجاه الأدوار التخريبية التركية في بلدانهم ودعم جماعات التطرف والإرهاب، متسائلين عما إذا كان بالإمكان وقف هذا الدور المزعزع للاستقرار والأمن بالمنطقة.

يقول كريم شفيق، الكاتب المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، إن تركيا تسعى لتعزيز نفوذها في المنطقة عبر تحالفاتها مع أحزاب الإسلام السياسي، مثل الإخوان المسلمين. وتشير إلى الرؤية التي قدمها أحمد داود أوغلو، رئيس وزراء تركيا السابق وأحد أبرز مفكري حزب العدالة والتنمية. إذ يرى أوغلو أن على تركيا أن تستخدم الموروث الثقافي والجغرافي لنشر نفوذها في الدول التي كانت ضمن السلطنة العثمانية، ومنها سوريا ومصر والسودان وليبيا. والمشكلة، كما يقول شفيق، “أن تركيا تدعم جماعات مثل الإخوان على حساب الدولة، وهذا يمس بأمن وسيادة الدول ويؤدي إلى تفككها كما حدث في سوريا. إذ تحولت الثورة إلى حرب، ودخلت الجماعات المتطرفة في الصراع بحيث باتت تسيطر بالفعل على أغلب الأراضي في مناطق المعارضة السورية، وليس الجيش السوري الحر”.

وفي دراسة لمركز الإمارات للسياسات، نشرت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أظهرت العديد من المؤشرات أن تركيا تعتزم مواصلة تمدُّدها بالمنطقة، وأن هذا التمدُّد بات جزءاً من عقيدتها السياسية والاستراتيجية لترسيخ النفوذ الإقليمي، في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية، ذات الميول الإسلامية، بقيادة رجب طيب أردوغان، مشيرة في ذلك إلى تعدد العمليات العسكرية التركية والتوغل في بلدان المنطقة، لا سيما العراق وسوريا.

فخلال السنوات القليلة الماضية، شنت تركيا ثلاث عمليات توغُّل عسكرية في سوريا، وأرسلت إمدادات ومقاتلين إلى ليبيا، ونشرت قواتها البحرية في شرق المتوسط لتأكيد مزاعمها بشأن حقوقها في المنطقة، ووسَّعت عملياتها العسكرية ضد مُسلَّحي حزب العمال الكردستاني شمال العراق، وأرسلت تعزيزات عسكرية إلى آخر معاقل المعارضة السورية في إدلب، وأخيراً، قَدَّمت مساعدات عسكرية وعناصر مرتزقة سوريين لدعم أذربيجان في حربها ضد أرمينيا من أجل استعادة إقليم ناغورنو قره باغ. ولدى تركيا اليوم وجود عسكري مباشر في قطر والصومال وأفغانستان، وقوات لحفظ السلام في البلقان، ويعتبر وجودها العسكري العالمي في الوقت الحالي الأكبر منذ أيام الإمبراطورية العثمانية، وهو ما يثير المخاوف بشأن نوايا السياسة التركية الجارية.

لكن وبحسب الورقة البحثية لمركز الإمارات للسياسيات، وبرغم أن اعتماد تركيا على القوة العسكرية لتأمين مصالحها ودعم جماعات التطرف، يمثل حجر الزاوية لعقيدة سياستها الخارجية الجديدة التي تتطور منذ عام 2015، وتُشكِّك في جدوى العمل المشترك مع القوى الإقليمية والدولية التقليدية، بهدف إحياء العثمانية الجديدة، إلا أن هذا الدور يواجه العديد من التحديات والمعوقات التى قد تحد من قدرته على الاستمرار في المستقبل القريب.

ومن بين تلك التحديات، وفقما ترصد الورقة البحثية، هيأفول “النموذج التركي” بوصفه مصدر جذب بالمنطقة، ففي أعقاب ما يسمى بثورات الربيع العربي، بدا “النموذج التركي” في ذروة صعوده؛، لكن الوضع في الشرق الأوسط بعد مرور عشر سنوات يبدو مختلفاً الآن، وأهلية تركيا الديمقراطية تبدو مختلفة أيضاً، بعد أن باتت أنقرة تحتل في مؤشر الديمقراطية المرتبة 110 من بين 167 دولة، بينما تحتل في معدل الاستقرار السياسي طبقاً لمقياس كوفمان (الذي يعطي +2.5 للدول الأعلى استقراراً، و-2.5 للأدنى استقراراً) ما قيمته -1.34، وبهذا فهي تحتل المرتبة 175 من بين 195 دولة في هذا المؤشر، ما يعكس قوة انخراطها في الأزمات الحدودية مع سوريا ودموية صراعها مع الأكراد، لا سيما أكراد تركيا الذين يصل عددهم نحو 15 مليون نسمة. أما في مؤشر عدالة توزيع الدخل فتحتل تركيا مكانة تقع بين المقبول والضعيف بمعدل 41.9، وكل ذلك يعني أن تمدُّدها الإقليمي الراهن لا يتكئ على بنية داخلية موازية لحجم هذا التمدد.

يضيف التقرير، أن ثاني تلك التحديات تتمثل في تردّي الأوضاع الاقتصادية، إذ يتفق العديد من مُحللي الاقتصاد والخبراء العسكريين والأمنيين على أن ورقة الاقتصاد ستكون السبب الرئيس في تراجع حُلم أو “مشروع” الرئيس التركي وانكماشه في غياب القدرة على تمويل هذا المشروع الطموح، والإنفاق على الحجم الكبير المطلوب من التسليح، وتقديم الرعاية لأتباع هذا المشروع ومناصريه، وذلك بالتوازي مع استمرار تدني الليرة التركية، التي فقدت نحو ثلث قيمتها منذ عام 2018، فضلاً عن العجز المتنامي في الميزان التجاري، الذي وصل في أغسطس (آب) 2020 إلى 4.631 مليار دولار. وتركيا حالياً من الدول الـست الأكثر ديوناً في العالم، إذ وصل دينها الخارجي إلى نحو 431 مليار دولار نهاية مارس 2020. والأهم أن حجم الدخل الوطني المقدر بنحو 800 مليار دولار أخذ يتعرَّض للتراجع، بحيث أصبحت قيمته قرابة النصف حسب قيمة العملة التركية، وهو مسار خطر قد يُفضي إلى خروج تركيا من مجموعة الدول العشرين..

في الأثناء وبحسب مجلة “فورين أفيرز” الأميركية، تأتي من أبرز تحديات الدور التركي في المنطقة بروز تحالفات إقليمية لـ”احتواء” التمدُّد التركي، وذلك بعد أن أدى نهج أنقرة المتشدد وسياستها الخارجية المتقلبة إلى ظهور تعارضات وصدامات مع معظم اللاعبين الإقليميين الأساسيين، وخلق منافسة إقليمية جديدة في كل من شرق البحر المتوسط ​​ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأصبح هناك شبه اتفاق ضمني بين دول الإقليم وبعض الدول الأوروبية الرئيسة على الوقوف صفاً واحداً ضد أطماع الرئيس أردوغان وسياساته الجامحة. وأشارت في الوقت ذاته إلى الجهود المكثفة التىتبذلها كل من مصر واليونان وقبرص وإسرائيل للتعاون الاستراتيجي في العديد من المبادرات، لا سيما استخراج احتياطيات الغاز في شرق البحر المتوسط والإعلان عن منتدى غاز شرق المتوسط، وتهميش أنقرة وتجاهلها تماماً في هذه العملية.

وبحسب ما نقلت صحيفة “تايمز” البريطانية، في أغسطس (آب) الماضي، عن رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي، يوسي كوهين، فقد رأى أثناء اجتماعه مع نظرائه في مصر والسعودية والإمارات، أن القوة الإيرانية تعد هشة، معتبراً أن التهديد الحقيقي يأتي من تركيا. وعززت الولايات المتحدة مؤخراً قواعدها العسكرية في اليونان، ودعت مراراً تركيا إلى ضبط النفس بشأن نزاعاتها البحرية مع اليونان، مُلوحةً بالتدخل في التوترات في شرق البحر المتوسط، على نحو لا يُرضي السياسة التركية هناك.

وبحسب إبراهيم عبد الحميد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، فإنه يتوقع أن استراتيجية التمدد التركية عبر التركيز على الأبعاد العسكرية ودعم جماعات التطرف والإرهاب لن تنجح في نيل الكثير من المكاسب الجيوسياسية الجوهرية على المدى المنظور، بعدما فشلت في تحقيق عوائد اقتصادية ملموسة، إذ لم تضمن بعد وضع يدها على موارد حيوية يمكن استثمارها سريعاً في مناطق التدخل. وفي حال استمر عجز أنقرة عن تحصيل مزايا راهنة لتدخلاتها، فإن ذلك سيجعلها عاجزة عن تمويل عشرات الآلاف من المرتزقة المارقين، ما قد يُهدد بخروج هؤلاء عن السيطرة وتحولهم إلى مجموعات قتالية تحت الطلب.

وتابع عبد الحميد، لا تتوازى ركائز تحقيق مشروع التمدد التركي في المنطقة مع مساحة طموح القيادة التركية، وهو ما يعني أن أنقرة قد تضطر لاحقاً لإعادة النظر في حدود طموحها الإقليمي باتجاه تقليصه لتتوازى المكاسب المحتملة مع المخاطر المؤكدة، ما يطرح احتمالاً بحصول تحولات تركية داخلية موازية، من قبيل: فض تحالف حزب “العدالة والتنمية” الحاكم ذي الخلفية الإسلامية، مع حزب “الحركة القومية” بقيادة دولت بهتشلي؛ وغياب أردوغان عن مسرح السياسة التركية؛ إما بخسارة حزب “العدالة والتنمية” في الانتخابات المقبلة؛ أو نتيجة حدوث متغيرات عرضية أو مرضية مفاجئة تحُول بين أردوغان وممارسة دوره القيادي في السياسة التركية.

img
الادمن

العدسة

اترك تعليقاً

العلامات