fbpx

الأحد 12 صفر 1443ﻫ - 19 سبتمبر، 2021

مصر.. أزمة وغضب بسبب التمييز بين أجور المرأة والرجل

img

بعد إعلان الجهاز المركزي للتعبئة والعامة والإحصاء المصري (حكومي)، عن تفوق أجور الرجال على أجور النساء في القطاع الخاص بنسبة 22 في المئة، في مقابل تفوق أجور النساء في قطاع الأعمال والقطاع العام بنسبة 31 في المئة، أثارت حالة من الغضب في الأوساط المصرية، خاصة النسائية والمطالبة بحقوق المرأة.

ورغم تصريحات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي المتكررة بأن تمكين المرأة هو كلمة السر وراء بناء حضارات قوية، وأن من واجب الشعوب أن تمنح المرأة الفرصة الكاملة للمشاركة في مختلف المجالات، فإن القطاع الخاص لا يأبه بتلك التصريحات.

ويعزو المدافعون عن حقوق المرأة ذلك إلى التمييز الجندري الذي يمارسه أرباب العمل الخاص ضد الأنثى، مثل تفضيل توظيف الرجال وغياب التدريب اللازم الذي يُعين المرأة على الالتحاق بالأقسام المميزة وتقلد المناصب الوظيفية العليا.

وتعد الفوارق بين الجنسين من أكثر التحديات إلحاحًا في العمل، وذلك بالتزامن مع خفض نسبة مشاركة النساء في سوق العمل. وحتى بعد الانضمام إلى القوى العاملة تبقى فرصهن في إيجاد عمل أقل من فرص الرجال، وفعلياً لا تزال فرص حصولهن على وظائف جيدة مقيدة.

وحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بلغت نسبة مساهمة المرأة في قوة العمل 15.6 في المئة من إجمالي قوة العمل (15 عامًا فأكثر) مقابل 67.3 في المئة للرجال، وبلغت نسبة الإناث المشتغلات (15 عامًا فأكثر) 15.3 في المئة مقابل 84.7 في المئة لدى الذكور.

وقالت “ن.ر” (عاملة في أحد البنوك الأجنبية الكبرى بمصر) ،”بعد زواجي تغيرت معاملتي من قبل إدارة البنك، وازدادت حدة المعاملة بعد علم المسؤولين بحملي، حيث أخبرني رئيسي المباشر بأن أرشح له إحدى زميلاتي غير المتزوجات في البنك لتحل مكاني، وإلا سيرشح رجلا، بداعي أنه ستكون لدي أسرة وحياة منزلية جديدة ولن أستطيع التفرغ للعمل”.

وأفادت منظمة العمل الدولية بأن سوق العمل تعاني من عدم المساواة في تعيين الأمهات في مناصب عليا، إذ أن 25 في المئة فقط من المديرين الذين لديهم أطفال دون سن السادسة هم من النساء، وترتفع نسبة الأنثى إلى 31 في المئة في صفوف المديرين من غير الآباء.

ومن اللافت أن القطاع الخاص لا يفرق بين الذكر والأنثى في الموقع ذاته، لكن يركز على تعيين الرجال وتوظيفهم، خاصة العمل في المصانع ضمن ورديات، ولذلك أجورهم أعلى من أجور السيدات.

ويركز أصحاب العمل الخاص على الربح والاستمرار لذلك لا تلائم خططهم الطبيعة الخلقية للمرأة، فهي أم وزوجة وراعية لأطفالها، ولا يحبذ أرباب هذا العمل انتداب المرأة بصفة عامة.

وتحرص معظم النساء في مصر على العمل في القطاع العام وقطاع الأعمال وفي المؤسسات التابعة للدولة بشكل عام، لاسيما في الأقسام الإدارية والمكتبية.

القانون وأصحاب الأعمال

قالت يمن الحماقي -أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس في القاهرة- إن “المعاملة بين الجنسين في القطاع الحكومي وقطاع الأعمال تكون على قدم المساواة، فلا تفرقة بين الذكور والإناث، لأن الكل يخضع للقانون سواء في التعليم أو في التشغيل أو على مستوى تحديد الأجر”.

وأضافت أن “العكس يحدث في القطاع الخاص، إذ يخضع العاملون لرغبة صاحب العمل وتقييمه للعمالة، ودائمًا تكون هناك فروق واختلافات في التقييم الذي عادة ما يكون في صالح الرجل، لأن المرأة في القطاع الخاص في حاجة إلى تدريب كبير، ولا تجد دعمًا مناسبًا”.

وتكشف أزمة التفاوت في الأجور بالقطاع الخاص عن معاناة البيئة المصرية من معضلة الفجوات النوعية، بمعنى وجود فوارق بين الذكور والإناث في المهارات بالمهن المختلفة، وهذه الظاهرة تتضح بشكل جلي في العمل داخل المصانع.

ولمواجهة تلك الظاهرة ينبغي دعم جهود التمكين الاقتصادي للمرأة من جانب منظمات المجتمع المدني، وذلك بتوفير فرص تدريب للمرأة لسد الفجوات النوعية ومن ثم درء مشكلة تفاوت الأجور في القطاع الخاص.

ومن الأسباب التي تؤدي إلى ضعف أجر المرأة في القطاع الخاص بمصر تركز نسب كبيرة من النساء في مهن ذات مهارات محدودة، مثل قطاع الملابس الجاهزة والصناعات الغذائية والعمل في مجال فرز الخضروات والفواكه وغيرهما.

ومن المتوقع أن تستمر تلك الفجوة طالما أن نسبة أمية المرأة هي الأعلى، مع تركيز الفتيات خلال مرحلة التعليم الفني على الالتحاق بالمدارس التجارية التي لا تُكسب الفتاة مهارات، لذلك تعمل عقب تخرجها في الوظائف البسيطة التي لا تشترط المهارات -مثل التعبئة في المصانع- وتحصل على أجر زهيد، ويتحقق العكس لو ركزت الفتيات على التعليم الصناعي خلال مرحلة الدراسة.

وحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بلغ عدد الأميين في مصر 18.4 مليون نسمة بنسبة 25.8 في المئة، وترتفع الأمية لدى الإناث مقارنة بالذكور، وقد بلغت أعدادهن 10.6 ملايين نسمة بنسبة 30.8 في المئة، مقابل 7.8 مليون نسمة للذكور بنسبة 21.1 في المئة.

وتمثل أقل نسب البطالة للأميات نحو 2.2 في المئة، ويرجع ذلك إلى أنهن يقبلن الحد الأدني من الأعمال بغض النظر عن مستوى المهارة، وذلك على عكس الحاصلات على مؤهلات عليا.

وتؤدي ظاهرة انخفاض أجر المرأة في القطاع الخاص إلى تراجع إنتاجية المجتمع، لأن ضعف المهارات لدى الأنثى باعتبارها موردًا بشريًا يؤثر سلبًا على الإنتاجية، كما أن مواجهة المخاطر المستقبلية على الاقتصاد تأتي برفع إنتاجية العمالة، وهذا يمثل تحديًا كبيرًا للنمو الاقتصادي، وينبغي التغلب عليه.

ولا تقتصر مشكلة فجوة الأجور بين الجنسين على التفاوت في الأجور، بل تتعداه إلى واجبات ومتطلبات الوظيفة، ويكمن الحل في وضع توصيف موحد للجنسين في جهة العمل.

وتفوق أعداد السيدات في القطاع العام والحكومي أعداد الرجال، وهن يفضلن ذلك القطاع لأنه يتناسب مع طبيعتهن المعيشية وتستطيع المرأة من خلاله أن توازن بين العمل ومتطلبات أسرتها، وتفضل المرأة الوظائف الحكومية لأن عدد ساعات العمل فيها أقل والتزاماتها محدودة، وهذا سائد في مختلف بلدان العالم.

وكشفت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية المصرية أن نسبة الإناث تبلغ 50.7 في المئة من إجمالي العاملين بالجهاز الإداري للدولة خلال العام الماضي، وارتفعت نسبة تمثيل السيدات في مجالس إدارات الشركات المسجلة في البورصة إلى 11.6 في المئة، وتحسنت النسبة في شركات القطاع العام لتصل إلى 8.7 في المئة.

الفرق في الطموحات

يعد العمل في القطاع الحكومي من الأعمال الروتينية التي يركز عليها أصحاب القدرات الضعيفة والمهارات المحدودة لاسيما من الرجال، ومن يعمل في ذلك القطاع ليست لديه طموحات، ويضطر إلى العمل في وظيفة أخرى لزيادة دخله.

ورغم تقلد المرأة المناصب القيادية والوزارية والدبلوماسية إلا أن هذه المناصب قليلة مقارنة بعدد النساء في كل دولة.

ويبلغ عدد الإناث في مصر نحو 48.5 مليون نسمة حتى يناير الماضي، بينما حصلت المرأة على 8 حقائب وزارية داخل مجلس الوزراء بنسبة 24 في المئة من عدد الوزراء في الحكومة، كما حصلت على 162 مقعدًا في البرلمان بنسبة 27 في المئة من أعضاء مجلس النواب.

وأوضحت بسنت فهمي، الخبيرة الاقتصادية وعضو المبادرة الرئاسية “حياة كريمة”، أن “المرأة التي تستطيع التفرغ للعمل هي غير المتزوجة أو التي تعتمد على والدتها بشكل كامل في تربية أولادها. وغير ذلك تكون الأسرة مفككة وتعاني من عدم الألفة وغياب المودة، لذلك من مصلحة المرأة العمل في القطاع العام”.

وأضافت أن “ما تردده المؤسسات الدولية والدول الكبرى من ضرورة المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة ضمن أهداف التنمية المستدامة، ما هو إلا ضغوط وتَدَخل في سياسات وقرارات الدول النامية، فالوزيرات في الحكومة المصرية أكثر من مثيلاتهن في الكثير من البلدان المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة”.

وعادة ما تطالب المؤسسات الدولية بتشغيل المرأة، إذ تتم ترجمة ذلك في البلدان الفقيرة إلى ضرورة توظيف المرأة، وهناك فرق شاسع بين المصطلحين، فالعمل حق ولكن الوظيفة ليست حقا.

المطلوب من المرأة أن تعمل، وهذا حقها حتى يتم تمكينها اقتصاديًا، ولكن ليس من حقها التعيين في المناصب الحكومية أو القطاع العام، وهو ما يطلق عليه اسم الوظيفة، وينطبق ذلك على الرجل أيضًا.

وبدأ المجلس القومي للمرأة في مصر يتعاون مع الحكومة في تفعيل آلياته التنفیذیة داخل كل وزارة تحت مسمى “وحدات تكافؤ الفرص بالوزارات” والتي يتمحور دورها حول ضمان استفادة المرأة من المشروعات المقدمة على مستوى الدولة، ومنع التمييز ضدها وإزالة المعوقات التي تحد من دمجها في عملية التنمیة، مع وجود مؤشرات تنموية تعكس مدى تقدم وضع المرأة في مختلف المجالات.

وأشارت بسنت فهمي إلى أن “من تقوم بأعمال حرفية في منزلها هي امرأة عاملة، وأن المقصود بمصطلح التمكين في الأهداف الأممية للتنمية المستدامة هو التمكين من خلال الاقتصاد الابتكاري أي الحرف متناهية الصغر وليس التمكين بتولي المناصب”.

حياة لائقة

قال حسن الخولي أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس إن “مصر تسعى لتوفير الإمكانات للمرأة، والتي تساعدها على عيش حياة لائقة، لأن هناك الكثير من الأسر المصرية تعيلها نساء”.

والمرأة المعيلة هي كل امرأة تعيل نفسها وأطفالها أو أفراد أسرتها لغياب العائل، سواء لإعاقة صحية تمنعه من العمل أو لوفاته أو لهجره لها أو لوجوده في السجن أو لتعاطي المخدرات أو لامتناعه عن الإنفاق.

وبلغ عدد الأسر التي تعيلها سيدات نحو 3.3 مليون أسرة في آخر تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وسجلت نسبة الأميات 59.1 في المئة من إجمالي الإناث ربات الأسر ثم الحاصلات على مؤهل متوسط بنسبة 17.6 في المئة، ثم الحاصلات على مؤهل جامعي بنسبة 8.5 في المئة.

ومعظم الإناث من الأرامل ربات الأسر يعملن في الجهاز الحكومي، حيث بلغت النسبة 70.3 في المئة من إجمالي الإناث ربات الأسر على مستوى إجمالي مصر، ثم المتزوجات بنسبة 16.6 في المئة، ثم المطلقات بنسبة 7.1 في المئة.

وأضاف حسن الخولي أنه “آن الآوان لأنْ تحصل المرأة على حقوق أكثر وفرصًا تعزز أحوالها المعيشية، ويقع الكاهل الأكبر في هذا الدور على المؤسسات والحكومات، لأن لديها سلطة اتخاذ القرار، بينما القطاع الخاص مدلل ولا توجد قوانين تُلزمه بتحديد مستويات الأجور أو تمكين المرأة وتدريبها”.

وأكد أن “الحكومة لا تميز بين الرجل والمرأة وتمنح الفرص بالتساوي بينهما، وارتفاع الأجر الذي تتقاضاه المرأة سمة إيجابية في المجتمع تعزز حمايتها اقتصاديًا واجتماعيًا، بينما لا نجد تلك الميزة في القطاع الخاص، لأنه يبحث عن مصلحته وتحقيق أعلى ربح دون النظر لاعتبارات أخرى”.

img
الادمن

العدسة

اترك تعليقاً

العلامات