fbpx

الأحد 12 صفر 1443ﻫ - 19 سبتمبر، 2021

ناجي العلي.. ريشة فلسطين التي لا تنكسر

img

دائما ما يتردد على لسان الفلسطينيين مقولة الزعيم الخالد ياسر عرفات، بأن الثورة عظيمة، ليست بندقية، فلو كانت بندقية لكانت قاطعة طريق، ولكنها .. نبض شاعر .. و ريشة فنان.. و قلم كاتب .. ومبضع جراح .. و إبرة لفتاة تخيط قميص فدائيها وزوجها”، وهنا نضع خطا أسودا كما كان يرسم الراحل ناجي العلي، تحت ريشة فنان.

ناجي العلي، كظاهرة إبداعية فلسطينية، سيبقى “حالة خاصة”، قاوم الاحتلال برسوماته “الخطوط السوداء”، تمكنت إسرائيل من اغتياله، ومنحه الموت توهجا وبريقا مع كل ما يراه الشارع العربي من صدق تنبؤاته، ومن حيوية ريشته الساخرة بمرارة من الواقع العربي.

كل رسومات ناجي العلي يزداد بريق رسالتها كل يوم، فقد خلقت عبقرية “ناجي العلي”، من ريشته “سلاحا” فلسطينيا في وجه الاحتلال ومن يدعمه، و”فكرا” يعرّي الكثيرين داخل ساحتنا العربية، و”رؤية فلسفية” تخاطب وجدان المواطن العربي، حتى جاءت النهاية على يد شاب مجهول، أطلق عليه النار يوم 22 يوليو عام 1987 فأصابه تحت عينه اليمنى.

قبل 34 عاما، وفي لحظة مجنونة مباغتة، انكسرت ريشة الفنان المبدع الفلسطيني، ناجي العلي، وانطفأ بريق الإبداع  في يوم 29 أغسطس 1987 متأثراً بجراحه في مستشفى “تشارينغ كروس”، في العاصمة البريطانيّة، لندن،  بعد شهر من إطلاق النار عليه، في أحد شوارع لندن، بكاتم صوت تعددت الأصابع الضاغطة على زناده ؟!

ولم تعرف الجهة التي كانت وراء الاغتيال على وجه القطع، ولكن “مارغريت تاتشر”، رئيسة وزراء بريطانيا ،حينذاك، قامت بإغلاق مكتب الموساد في لندن.

كان ناجي، الراوي الأكثر أمانة، والأكثر سلاسة، والأكثر وضوحاً، والأكثر شمولاً، والأكثر نضوجاً، والأكثر فهماً، لمأساة شعب فلسطين، وكان كذلك الأكثر إحساساً بمعاناة أهلها والأقرب إليهم.. كان ناجي الراوي الوحيد تقريباً الذي لم يساوم أحداً ولم يداهن قائداً مطلقاً حين يتعلق الأمر بالحق في كل ذَرّة من تراب فلسطين. لهذا أصبح الضميرالذي يُعَنِّفُ إن فكر أحدا بالتخاذل في لحظة وَهْن أو نوبة يأس.. كان يكفي لأي متخاذل أن يرى رسماً واحداً بريشة العلي حتى يخجل من نفسه.

كانت كلماته تحمل صدق النبوءة، تأسيسا على حقائق الواقع .. ذات يوم قال أبو خالد (ناجي العلي): “اللي بدو يكتب لفلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرف حاله: ميت”، لتتحقق كلماته، على صعيده الشخصي، وعلى صعيد صديقه ورفيق دربه، غسّان كنفاني، والفرق بينهما أنّ رصاصةً اخترقت رأس الأوّل، وقنبلة دمرت جسد الثاني.

كما لا يختلف كلاهما عن الأرق الذي سبباه لعدوهما الأوّل والأكبر، الاحتلال..وناجي “نبيّ” الخطوط السوداء، هو الذي أطلق ريشته تطارد دولة الاحتلال، وتسخر في نفس الوقت من المواقف العربية، ومن الترهل والانكسار والعجز العربي !!

“ناجي” كان يرسم بنصل سكين استشهادي، لا بريشة رسام، ولم تكن صدفة أن “فاطمة”، المرأة الفلسطينية الفقيرة بالذات، هي الشخصية الوحيدة من بين كل شخصيات ناجي العلي التي لا تضعف ولا تتعب ولا تُخْدَعْ أبداً، حتى حين يتعب أو يضعف أو يُخْدَعُ زوجها وكل من حولها.. كان نقده صارخا حادا وباترا، من خلال عدد محدود نسبياً من الشخصيات الكاريكاتوريّة، وهي رموز ناطقة : حنظلة – الوعي – الغاضب دوماً، و”الزلمة” الفلسطيني العادي الفقير والمحاصر..  وفاطمة – فلسطين – والجندي الإسرائيلي – رمز الاحتلال – ثم نماذج عدة من الشخصيات ذات المؤخرات المنتفخة التي تمثل رموز الرجعية العربيّة.

الرمز الكبير في شخصية “حنظلة”

ويقول ناجي العلي في تعريفه، وعلى لسان حنظلة: “عزيزي القارئ اسمح لى أن أقدم لك نفسي أنا وأعوذ بالله من كلمة، أنا اسمي: حنظلة.. اسم ابى مش ضروري.. أمى اسمها نكبة.. وأختي الصغيرة فاطمة..نمرة رجلي ما بعرف لأنى دايما حافي، تاريخ الولادة: ولدت في 5 حزيران 1967 جنسيتى: أنا مش فلسطيني، مش أردني، مش كويتي، مش لبناني، مش مصري، مش حدا.. باختصار معيش هوية ولا ناوي اتجنس، محسوبك إنسان عربي وبس”.

ويعقد حنظلة يديه خلف ظهره فلا حول ولا قوة له فيما يحصل في البلاد، لكنه يسجل حضوره اليومي في أنه مايزال فيه نفس المقاومة والروح النضالية والتحريض على رفض هذا الواقع الاستسلامي.. وقد جاء اسمه من المرارة..وأصبح حنظلة رمزاً للصمود والاعتراض على ما يحدث.. وبقي بعد ناجي العلي ليذكّر الناس بناجي العلي.

فلسفة حنظلة

ابتدع ناجي العلي  شخصية “حنظلة” في الكويت عام 1969 في جريدة السياسة الكويتية، أدار ظهره في سنوات ما بعد 1973 وعقد يداه خلف ظهره، وأصبح حنظلة بمثابة توقيع ناجي العلي على رسوماته.. لقي هذا الرسم وصاحبه حب الجماهير العربية كلها وخاصة الفلسطينية لأن حنظلة هو رمز للفلسطيني المعذب والقوي رغم كل الصعاب التي تواجهه.. فهو دائر ظهره “للعدو”.

وعن حنظلة يقول ناجي: ولد حنظلة في العاشرة من عمره وسيظل دائماً في العاشرة من عمره، ففي ذلك السن غادر “ناجي العلي” فلسطين، وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة، ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه، لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء..حنظلة هو بمثابة الأيقونة التي تحفظ روحه من الانزلاق، وهو نقطة العرق التي تلسع جبينه إذا ما جبن أو تراجع.

وعندما سُئل ناجي العلي عن موعد رؤية وجه حنظلة أجاب: عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته.

فاطمة.. لا تهادن ولا تساوم

والرمز الثاني الأبرز في رسومات ناجي العلي، هي “فاطمة”، وهي المرأة الفلسطينية القوية التي لا تهادن، ولا تساوم، وتقاوم فلسفة المقايضة (التاريخ والجغرافية مقابل السلام)..فاطمة  لها عنفوان، وتحمل رؤى شديدة الوضوح فيما يتعلق بالقضية، وهى ذات ردود قاطعة وغاضبة.. وهى المقاومة، والمرأة الشامخة ذات الوجه المدور والعينين الواسعتين، حافية القدمين، تتجول وهى ترضع ابنها حب الوطن، وتدفع زوجها وأولادها إلى تحرير الوطن والاستشهاد في سبيله، وهى رمز للمناضلات العربيات، فهى تلعن أمريكا وسط بيوت الصفيح في مخيم عين الحلوة بينما يصرخ بها زوجها “الرجل الطيب” يحذرها بأن تتوقف حتى لا يتهموها بالشيوعية.

وفى رسم آخر يقول الزوج: “سامحنى يا رب بدى أبيع حالى لأى نظام عشان أطعمي ولادي»، فترد عليه فاطمة: «الله لا يسامحك على هالعملة”.

وحين ضاقت عليه مساحة “التعبير بديمقراطية”، في لبنان، والكويت، رحل إلى لندن حيث عمل في صحيفة «القبس» الكويتية، وفى اليوم الموعود، وهو في طريقه للصحيفة بحى نايتسبريدج اللندنى، اقترب منهُ رجل من الخلف وأطلق عليه رصاصة من مسدس كاتم للصوت،  ومات ناجى العلى برصاصةٍ صامتة، رغم أنه كان ينادى دومًا في رسوماته أن “لا.. لكاتم الصوت!!”.

اغتيل ناجي سليم العلي بسبب خطوطٍ سوداء بسيطة، كان يخطّها على الورق، تجسد كلّ حالةٍ يمرّ بها الوضع العربي، ويمرّ بها الصراع  على أرض فلسطين التاريخية  المحتلة..ولا تزال رسومه “الكاريكاتورية”  حتى الآن ـ وربما لزمن طويل آت ـ تعبر عن الواقع الراهن، وتفتح جراح «المواجع» العربية..كأنّها تصف عالمًا حديثًا نعيشه الآن.

وفي حقيقة الأمر.. لا يختلف ناجي العلي (الذي خطّ أكثر من 40 ألف رسم)، عن معلّمه غسّان كنفاني.. فكلاهما من نفس طينة فلسطين التي أخرجت هؤلاء المقاتلين بالريشة والقلم، وكلاهما هاجرا إلى لبنان، والكويت ، وكلاهما كان من أبناء المخيم، إلى حين التقى (أبو فايز كنفاني) بناجي، في مخيم عين الحلوة، ليرى رسوماته، وليعلم أنّه اكتشف كنزًا جديدًا وإرثًا عظيمًا سيخلّد للثورة الفلسطينية.

ناجي سليم حسين العلي (1937 ـ 29 أغسطس 1987)، ولد في قرية الشجرة الواقعة بين طبريا والناصرة، هاجر مع أهله عام 1948 ، وهو في العاشرة من عمره ، إلى جنوب لبنان وعاش في مخيم عين الحلوة، ومنذ ذلك الحين لم يعرف الاستقرار أبداً، فبعد أن مكث مع أسرته في مخيم عين الحلوة، اعتقلته القوات الإسرائيلية وهو صبي لنشاطه، فقضى أغلب وقته داخل الزنزانة يرسم على جدرانها.. ثم تم اعتقاله أكثر من مرة في ثكنات الجيش اللبناني، وكان هناك أيضاً يرسم على جدران السجن.

في سنة 1963 سافر إلى الكويت ليعمل محرراً ورساماً ومخرجاً صحفياً فعمل في الطليعة الكويتية، السياسة الكويتية، السفير اللبنانية، القبس الكويتية، والقبس الدولية.

اغتيال العلي

عند الساعة 5:13 بتوقيت غرينتش، يوم الأربعاء 22 يوليو 1987، أوقف العلي سيارته على رصيف الجانب الأيمن لشارع ايفز جنوب غرب لندن، حيث مقر جريدة القبس الدولية. لم يكن ناجي يعلم أن قاتلا يترصده، ورغم التهديدات التي تفوق المائة حسب قوله، والتي كانت تنذره بالعقاب على رسوماته، وتلقيه معلومات وافية بأن حياته في خطر نظرا لأن الموساد الإسرائيلي قد جعله هدفا، إلا أن ناجي العلي لم يتخذ لنفسه أية إجراءات للحماية، لإيمانه القدري وفقا لمقولة: “الحذر لا يمنع القدر”، لذلك كان اقتناصه سهلا.

وما أن اقترب ناجي العلي من مخزن “بيتر جونز”، القريب من نقطة الاستهداف حتى اقترب منه القاتل الذي ارتدى سترة من الجينز والذي وصفه الشهود بأنه ذو شعر اسود أشعث وكثيف، وعندما سار في موازاته أخرج مسدسه وأطلق الرصاص باتجاه رأس ناجي العلي، ثم لاذ بالفرار.

  • نقل ناجي إلى مستشفى “القديس ستيفن”، وهو خاضع لجهاز التنفس الاصطناعي، ثم جرى تحويله إلى مستشفى “الصليب تشارنج” وأدخل إلى قسم جراحة الأعصاب، ثم أعيد مرة أخرى إلى مستشفى القديس ستيفن..ظل “العلي” يصارع الموت حتى يوم السبت 29-8-1987، وانتقلت روحه إلى بارئها في تمام الساعة الثانية فجرا، ودفن في مقبرة «بروك وود» الإسلامية في لندن، وحمل قبره رقم (230191).. رغم وصيته أن يدفن في مخيم عين الحلوة بجانب والده وذلك لصعوبة تحقيق طلبه.

في 30 أغسطس/ آب 2017، وبعد 30 عاماً على رصاصات الغدر التي اغتالت “الريشة البندقية”، أعلنت الشرطة البريطانيّة فتح التحقيق مُجدداً في قضية الاغتيال، ثم لف الصمت كل شيء، رغم أن أيادي الموساد لم تكن خافية في العملية الإرهابية، خاصة وأن ناجي العلي كان ينتمي إلى حركة القوميين العرب التي قامت إسرائيل باغتيال بعض عناصرها.

اللافت..أنه في 25 سبتمبر 1997  قامت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية بنشر قائمة بعمليات اغتيال ناجحة ارتكبها الموساد في الماضي وتم ذكر اسم ناجي العلي في القائمة.. ونقلت معلومات إلى رئيسة الحكومة البريطانية ـ وقتئذ ـ مارغريبت تاتشر، أن السلطات الإسرائيلية كانت على علم مسبق بعملية الاغتيال، مما أثار غضبها، وقامت بإغلاق مكتب الموساد في لندن !!

بقي أن أقول..إن المبدعين لا يرحلون..ستظل أرواحهم تحوم حولنا بما أعطوا وأبدعوا، وبمقدار ما كانت إبداعاتهم تحرّض على الكبرياء والنضال، وترفض الانحناء والانكسار، بل وتستشرف لنا المستقبل..وكان الفنان صاحب “الريشة البندقية” ناجي العلي واحدا من هؤلاء الذين لا يعرفون الموت..وبقيت رسوماته الكاريكاتورية توجعنا بالدموع والضحكات حتى اليوم.

img
الادمن

العدسة

اترك تعليقاً

العلامات