fbpx

الثلاثاء 21 صفر 1443ﻫ - 28 سبتمبر، 2021

موسيقى الراب.. وسيلة تعبير الشباب الغاضب عن قضاياه في السودان

img

بعد انتفاضة 2019، والتي أعطت السودان مساحة للتعبير عن الرأي وممارسة بعض الأنشطة والتي كانت ممنوعة من قبل، بسبب قيود المجتمع، يحاول مؤدو الراب استغلال المساحة المتاحة لهم، لينشروا أغانيهم، من خلال الساحات العامة والمسارح المخصصة للحفلات الموسيقية، وتتناول كلمات أغانيهم كل شيء من مصاعب المعيشة وحتى مشكلات العلاقات العاطفية.

ويقول الموسيقي أحمد مهدي إن الحريات المتنامية تسمح لفرقته “إجراءات” لموسيقى الراب بأن تعكس القضايا التي يرى أعضاؤها أن السودان ما زال مبتلى بها وهو يعاني أزمة اقتصادية عميقة ويخوض تحولا هشا إلى الديمقراطية.

وأضاف “نكتب واقعي دائما”.

وأوضح “عندما تكون في المواصلات العامة ترى طفلا من أطفال الشوارع تعرض لحادثة ما فنتناولها في “إجراءات”، كما هو الحال عندما تمشي بجانب النيل وترى الفيضان، وترى المشكلات التي يعاني منها الشعب، جميعها نحاول أن نحكيها بأبسط الكلمات، أبسط العبارات التي تستطيع أن تصل إلى الناس عموما أو إلى أي شخص، وفي أي مكان في السودان كما تصل إلى السوداني المغترب خارج البلاد”.

قوانين صارمة

وشهد السودان تحت حكم رئيسه السابق عمر حسن البشير الذي أُطيح به قبل عامين، صناعة موسيقى راب متنامية لكنها حذرة، حيث كان على الفنانين الشباب أن يواجهوا الأجهزة الأمنية في البلد إذا كانوا ينتقدون الحكومة بشكل علني.

كما كانت الأماكن المتاحة لأدائهم محدودة أيضا، لاسيما بالنظر لقوانين النظام العام الصارمة. وقد تعرض بعضهم للحبس والمحاسبة على ما يقدمونه من أفكار ناقمة على السلطة.

لكن اليوم صار عاديا أنْ تسمع عبر صفحات التواصل الاجتماعي، أو القنوات الفضائية المحلية، لأغنيات من نوع الراب. وهو ما كان محصورا في الفترة الماضية في نطاقات ضيّقة، وفي مجموعات اجتماعية ضيقة.

وتعرض فرقة “إجراءات” الآن في أنحاء العاصمة الخرطوم وتنتقد الشرطة وتشكو من الأوضاع الاقتصادية وتشير إلى الإطارات المحترقة في الاحتجاجات المناهضة للحكومة.

وتقول إحدى أغنيات الفرقة، في إشارة إلى بيع المشروبات الكحولية المخمرة في المنزل بشكل مخالف للقانون، إن السعادة هنا تُباع “بالجركن”، والنساء جائعات والحكومة غير مهتمة.

وقال مهاب كباشي، عضو الفرقة المعروف باسم “إم.أو3″، إنهم يجتذبون جمهورا يتطلع للتعبير عن قضاياهم الخاصة وقضايا المجتمع الأوسع.

وأضاف الشاب البالغ من العمر 26 عاما، وهو جالس أمام جهاز دمج الموسيقى “نتحدث عن مشكلات في البيت، مشكلات مع الأصحاب، غضب من حبيبتي، أشياء كهذه. وبعد ذلك تطور الموضوع لأن الناس بدأت تسمع الأشياء التي أعمل عليها وأحبوها وخصوصا من جيلي، وهذا ليس شيئا صعبا لأنه عندما تتكلم عن شيء يؤلمك بصدق ستجد الكثير من الناس يشاركونك نفس الأحاسيس أو حتى قريبة للأحاسيس التي تشعر بها”.

وساهمت منصات البث ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير في فتح المجال أمام هذا النمط فباتت قبلة الشباب الراغب في تأدية الأغاني بنمط مختلف عن السائد. إلا أن الأغاني في بداية المرحلة التي جمعت بين اللغة العامية السودانية والإنجليزية كانت بأداء محلي ولا تملك هوية لكن أغلب ما تم تقديمه ارتبط بقضايا السياسة والاقتصاد في الداخل وعارض بوضوح الأزمات والاختلالات القائمة.

ويُصدر الفنانون، الذين يؤدون عروضهم باللغتين العربية والإنجليزية، ألبومات من أستوديوهات مخصصة ولهم عدد كبير من المتابعين على الشبكات الاجتماعية.

وأصبحت العروض الكبيرة أكثر انتشارا حيث جذب الفنانون الآلاف إلى أماكن كان استخدامها قاصرا على مغنين تقليديين أكثر فقط.

ومع أن الموسيقى لعبت دورا رئيسيا في الانتفاضة ضد نظام البشير الإسلامي، يقول مهدي إن “العديد من السودانيين ما زالوا يرفضون موسيقى الراب باعتبارها أجنبية أو غير أخلاقية برأيهم”.

وأضاف “أنا أرى أن فرقة إجراءات عبارة عن أحلام شباب أو أحلام جيل كامل، لأسباب كثيرة، لأننا نريد أن نصل إلى مستوى محدد من الوعي للشباب كلهم، نريد أن نصل إلى مجتمع ناهض، مع أن المجتمع رافض لنا تماما والإعلام رافض لنا”.

لكنه عبر عن تفاؤله بقوله “لكن نحن مؤمنون بالجيل الذي يشجعنا ويتابعنا عندما نقدم له أغاني بسيطة كهذه ونقدم قضايا في شكل أغان ونعطيه فنا، بأسلوب تعبير حسب تعريفنا للفن، هؤلاء الشباب سيكونون قادرين على التغيير والوصول إلى مكان أبعد بأي قضية مهما كانت وأيا كانت صعوبتها”.

ووجد مغنو الراب الشباب مساحة واسعة للانتشار ضمن أنماط فنية أخرى في ثورة ديسمبر 2018، بدءا من الترويج للمواكب والفعاليات الاحتجاجية، وليس وانتهاء باعتصام القيادة العامة، في أبريل 2018.

ويعتبر عبدالقادر إبراهيم المشهور بـ”قدّورة”، والمتأثر بمغني الراب الأميركي امينيم، أحد مغني الراب الشباب السودانيين، ويجمع بين غناء الراب ومهنة الطب، وقال “إن الراب في السودان، بدأ في التسعينات، عبر شباب تأثروا بمغنيّ الراب حول العالم، وتحديدا الولايات المتحدة الأميركية، وتدور موضوعاته -في غالبها- عن معاناة الشباب السوداني، اجتماعيا وسياسيا، وكان الاهتمام به في نطاق محدود، ربما لحاجز اللغة أو النمط”.

ويُعرف الراب أو الرايمينغ، بأنه أحد فروع ثقافة الهيب هوب، وهو التحدث وترديد الأغنية بقافية معينة، وتسليم القوافي والتلاعب بالألفاظ، حتى تتماشى مع القافية دون الالتزام بلحن معين.

وانتشر في بداية السبعينات في حي برونكس بولاية نيويورك، على أيدي الأميركيين الأفارقة، كما انتشر عالميا منذ بداية التسعينات.

وللراب عناصر يقوم عليها، مثل: منسق الأغاني، “دي.جي”، ومغني الراب، وراقص البريك، والرسم على الجدران، وهو ما شاع باسم الغرافيتي.

وحفز المناخ الثوري نشاط الكثير من المظاهر المستحدثة على الشارع السوداني وكان منها ظهور الرسم الغرافيتي لأول مرة الذي استخدم لتوثيق الحالة العامة في الشارع الثائر. وإشاعة حالة من التحرر سواء في التعبير أو الملابس، فقد ظهرت بعض الممارسات الغريبة على المجتمع ولكنها تتناسب مع طبيعة الفترة.

والراب واحد من المظاهر التي نمت وتطورت واستحوذت على جانب كبير من الساحة المجتمعية في السودان. خاصة مع خروج بعض من أغنياته التي تمكنت من تطويع الأفكار والمطالب والرفض للعهد السابق بما لاقى استحسان الجمهور الثائر آنذاك.

واعتمد الراب السوداني على المنصة الاحتجاجية، للانتشار إبّان الاحتجاجات في السودان، حيث أخذ الراب سمة الاحتجاج التي نشأ عليها، وكان أحد الوسائل الملهمة للاحتجاج، خاصة عند فئة الشباب.

وكان لبعض أغاني الراب تأثير كبير في التوعية بحال البلد بين الشباب، خصوصا فترة الثورة، مثل أغاني “جنجويد رباطة” لمغني الراب الأشهر أيمن ماو، و”سودان بدون كيزان”، لمغني الراب “أي.جي”.

ويذكر المهتمون بأغنيات الراب، أنّ أول فرقة أدت الراب كان اسمها “بورن إن بلاك” وبعدها ظهرت العديد من الفرق، وأصدرت عددا من الأغنيات، واشتركتْ في عدد من المهرجانات.

واستطاع الراب أن ينتشر بين السودانيين، عندما عرفته أوساط الشباب من الطبقات الشعبية، وفي ذات الوقت عند الطبقات السودانية الغنية، بسبب نشأتهم أو مولدهم في البلدان الأوروبية والولايات المتحدة، أو دول الخليج العربي.

خروج عن النص

ويربط المهتمون انتشار غناء الراب في السودان، بالفترة التي سبقت انفصال جنوب السودان عام 2011 بقليل، وهي ذات الفترة التي شهدتْ انفتاحا في العمل السياسي، وكذلك تصاعد العمل المدني، والذي تبلور بعد سنوات بحركات الاحتجاج التي قادتْ ما عُرف بانتفاضة سبتمبر 2013.

وهي الفترة التي ظهرت فيها أغنيات على نمط الراي، لعدد من المغنين مثل: نووي، أبوالنيز، وعثمان سيف، مغني الراب الأكثر شعبية في ذلك الوقت.

ويرى البعض من متابعي الفن السوداني أن غناء الراب لا يتفق مع التراث السوداني، وفيه الكثير من حالات الخروج عن النص الرصين؛ لكن المغني مايكل بيتر ينفي ذلك؛ ويشير إلى أنه لون غنائي متميز له جمهوره.

ويعتبر البعض الآخر أن الراب بكلماته المباشرة التي تعبر عن الحقيقة الصادمة هو صوت يعبر عن جيل من الغاضبين ونقله بالصورة الأنسب له. فالغضب لا يحتمل المقدمات الموسيقية المتمهلة والرمزية الموغلة في الشاعرية، والمكتبة الغنائية مليئة بأدبيات النضال وأغنيات المنافي والسجون والثورة. ولكنها كانت تعبر في أغلبها عن مشاعر الحزن ونبل التضحية، بينما الشباب والشارع يبحثون عن صوت يعبر عن الحالة الحقيقية بداخلهم دون مقدمات أو التفاف.

ويبدو أن هذا النمط بدا يجد قبولا كبيرا في السودان خلال الفترة الأخيرة؛ فرغم الجدل المجتمعي حول موسيقى الراب، إلا أنها وجدت ترحيبا واسعا من الشباب؛ وذلك لعدة عوامل أهمّها مواكبة هذا النوع من الموسيقى للظروف الاجتماعية والسياسية الراهنة وقدرته على التعبير عنها.

ويؤكد مغنو الراب أن فن الهيب هوب بشكل عام أكيد يوصل رسالة إلى كل شرائح المجتمع السوداني، وهو أكيد ثقافة وافدة لأن الراب في السودان بشكل خاص ظهر في بداية عام 2007، وحوالي 60 في المئة من شرائح المجتمع السوداني تنظر إلى الهيب هوب بشكل سلبي جدا والسبب هم “الرابرز” الذين ظهروا وبرزوا في الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، الذين أوصلوا فكرة خاطئة باستخدامهم الألفاظ الخادشة للحياء العام والموضوعات غير المفيدة.

وقال مغني الراب عمرو محمد “إن الراب فن يحمل رسالة ورسالة منمقة في دقة ممكن تصل إلى أي شخص. أما من ناحية أن مغني الراب له مستقبل في البلاد فلا أعتقد، لأن كل الأغاني التي خرجت مؤخرا تفتقد إلى الاحترافية من ناحية الأداء أو المضمون، وهذا ليس في صالح هذا الفن”.

ويتفق محمد عماد وهو أيضا مغني راب مع عمرو محمد أنه فن يحمل رسالة وممكن أن يصحح المجتمع وأغلبية الأغاني موضوعية وتتناول قضايا ومشكلات وأحزان وأفراح المجتمع، وفي البداية كان غير مرحب به في المجتمع لكن حاليا نظرة المجتمع للراب تحسنت حتى الفتيات أصبحن يستمعن له.

ويرى الشابان أن المشكلة تكمن فقط في الإعلام المقصر بشدة تجاه هؤلاء المبدعين، ويهتم بكل الفنون عدا فن الراب! ويتمنون من الإعلام والجهات المختصة الالتفات للفنون الحديثة.

ويقول متابعون إن مقدمي الراب السوداني أخفقوا في إيجاد صيغة واحدة تجمعهم كما حدث في أغلب الألوان الموسيقية ومنها على سبيل المثال “فرق الموسيقى السودانية الحديثة والجاز”، إلا أن هناك من يعلق الآمال على جمعية “الهيب هوب” الثقافية مستقبلا.

وطالب الأمين العام لمجلس الموسيقي والتمثيل عبدالمنعم الفادني الدولة بالاهتمام بموسيقى الراب لجهة أنها تحمل الكثير من رسائل الفاضلة ذات دلالات لنبذ التميز الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

img
الادمن

العدسة

اترك تعليقاً

العلامات