محوران رئيسيّان يؤكّدان على أنّ شيئًا ما قد تغيَّر في ليبيا الأسابيعَ القليلةَ الماضية، واحدًا في الشرق والآخر في الغرب، وكلاهما يصبّ في صالح ومصالح الليبيّين جميعًا.

المُرتكَز الأوّل تمثَّل في إعلان المشير خليفة حفتر إعادة إنتاج النفط الليبيّ وضَخّه في الأسواق، الأمر الذي يؤدّي إلى استقرار في أسعار النفط، وعدم تعرُّض الاقتصاديّات العالميّة لأيّ اضطرابات، لا سيّما والعالم مقبلٌ على شتاء قارس، تزداد ضراوته مع الموجة الثانية المتوقَّعة من تفشّي وباء كورونا.

عمليّة إعادة إنتاج النفط وتصديره، وكما أعلن عنها المشير حفتر، سوف تجري وفق شروطٍ تضمن التوزيع العادل لعوائده، بعد أن استغلّت لسنوات طوالٍ كمورد لدعم الإرهاب من جهة، ولاستنقاذ خزانة الأغا العثمانليّ التي تكاد تفرغ من جهة ثانية.

يستلفت النظر ضمن التطوُّرات التي تدلّل على أنّ أفقًا جديدًا  يُحلِّق بالخير فوق سماوات ليبيا، شراكة “أحمد معيتيق” الرجل الثاني في حكومة الوفاق، في عمليّة ترتيب الأوراق لإعادة إنتاج النفط الليبيّ وتصديره بهدف تخفيف المعاناة عن المواطنين، لا سيّما وأن مبادئ الاتّفاق الشرقيّ والغربيّ المشترك قد تضمَّنَت لجنة فنيّة مشتركة من الطرفَيْن تُشرِف على  إيرادات النفط، وضمان التوزيع العادل للموارد.

وتتولّى اللجنة التحكُّمَ في تنفيذ بنود الاتّفاق خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، على أن يُقَيَّم عملُها نهايةَ السنة الحاليّة، وتحدّد خطّة العمل للعام المقبل.

هل أدرك عقلاء الليبيّين، حتّى وإن كانوا من جانب الوفاق، أنّ بلادهم تعرَّضتْ في الماضي ويمكن أن تواجه أخطارًا أكبر في المستقبل من جَرّاء الانبطاح الماليّ النفطيّ تحديدًا، وقبل الحديث عن استسلام الإرادة الوطنيّة الليبيّة للعثمانليّ المحتلّ؟.

بدون تطويل مُمِلّ، يمكن القول بأنّ ليبيا تعرَّضتْ إلى سرقة وابتزاز هائلَيْن في السنوات الأخيرة، الأمر الذي أشارت إليه تقارير لبيوت مال دوليّة، تلك التي أظهرت الفارق بين عوائد بيع النفط الليبيّ، والمردودات الماليّة التي دخلتْ خزانة البنك المركزيّ الليبيّ.

والفارق هنا يصل إلى مليارات الدولارات، بعضها ذهب بشكل أو بآخر إلى تركيا مباشرة، إنْ في صورة قروض أو صورة مشتريات أسلحة تدفع أثمانها مضاعفة، فيما قسمٌ كبيرٌ تكبَّدتْه موازنةُ البلاد، فبات يُنفَق على المرتزقة والإرهابيّين الذين أراد أردوغان نقلَهم من سوريا والعراق ليحلّ مكانَهم جنودٌ أتراك لعدم ثقته في ولاءات من يتمّ شراؤهم بالأموال.

في هذا الإطار، يبدو من الواضح جدًّا أنّ الليبيّين في الغرب قد استوعبوا المشهد، لا سيّما من جرّاء تدهور مستوى المعيشة وانقطاع الكهرباء، وتأخّر صرف الرواتب، مما انعكس في شكل المظاهرات التي شهدتها طرابلس  مؤخَّرًا.

وفي السياق عينه، بدا التململ واضحًا، والهجرة العكسيّة إن جاز التعبير ماضيةٌ من جديد نحو سوريا والعراق من قبل المرتزقة، أولئك الذين بدأت مخصَّصاتُهم الماليّة في التراجع، والبعض توقَّفَ عن استلامها من الأصل، ولهذا  جاءت ردود أفعالهم خصمًا من حكومة الوفاق منتهية الصلاحيّة، لا قيمة مضافة لها.

أمّا المرتكَز الثاني الذي يؤكِّد تغيُّر المشهد في ليبيا فموصول بفايز السرّاج، وإعلانه استعدادَه لتسليم السلطة قبل نهاية شهر أكتوبر، ودعوته لجنة الحوار السياسيّ للانتهاء سريعًا من إعادة تشكيل السلطة التنفيذيّة الجديدة.

هل قرار السرّاج مفاجأة أم أنّه مرتبط بانتكاسة أردوغان ومشروعاته في ليبيا؟

لم يكن للسرّاج أن يحاجج بأيّ مشروعيّة لما أقدم عليه في علاقة مشبوهة مع أنقرة طوالَ السنوات الماضية، وقد بدا واضحًا أمامه أن أردوغان يفشل خارجيًّا، ويتراجع أمام سيوف مناهضيه التي استلُّوها ضدّه، وفي المقدّمة منهم أوروبّا التي تهدّد بقوّة بفرض عقوبات اقتصاديّة، يمكنها أن تتسبَّب في انتكاسات أخطر لاقتصاده المتراجِع بقوّة من ناحية.

ومن ناحية أخرى، ها هي الولايات المتّحدة الأميركيّة، من عند إدارة ترامب، وصولاً إلى أعضاء في الكونغرس، يقلبون ترس المجنّ لأردوغان، بعضهم يرى أنّه آن الأوان لطرد تركيا من الناتو، والبعض الآخر يرى أنّ الأمر يجب أن يتمّ على مراحل، والبداية من عند إخلاء قاعدة إنجرليك من الأسلحة النوويّة.

ولم تعد لعبة الأغا العثمانليّ المتمثّلة في العزف على المتناقضات الروسيّة والصينيّة تشغل بال الأميركيّين، لوجود أكثر من حليف جديد للولايات المتّحدة في المنطقة الخليجيّة والشرق أوسطيّة، يمكنه أن يعوّض بصورة أو بأخرى ما كانت تقوم به تركيا، عطفًا على أنّ أهمّيّة دورها في زمن الحرب الباردة، لا يمكن أن يُقارَن بوضعها وقيمتها الاستراتيجيّة المنخفضة اليوم.

ولعلّه من المثير أن يرحِّبَ العالم برُمّته، لا سيّما الأطراف الفاعلة في الإشكال الليبيّ بتنحّي السرّاج، إلا أردوغان الذي أعرب عن انزعاجه، وهو يرى السرّاج يقفز من سفينة الوفاق التي تكاد تغرق به.

مخاوف أردوغان قد تكون غير بادية للكثيرين، ذلك أنّ أيّ مجلس رئاسيّ موحَّد جديد لليبيا، وحفاظًا على استقلال ليبيا ووحدة وسلامة أراضيها، أن ينقض وينقد كافّة الاتّفاقيات غير الشرعيّة التي أُبرِمتْ مع السرّاج في غفلة من الليبيّين.

أدرك السرّاج أنّه بيدق على خارطة العثمانليّ، وأنّ هناك جبهة قائمة في مواجهته ترتكز إلى نائبه “أحمد معيتيق”، الذي أرسل إلى كافّة الدوائر الليبيّة تحذيرًا من اعتماد أيّ أمر مكتوب من السرّاج، إن لم يكن بإجماع جماعة الوفاق، الأمر الذي ينتقص من هيبته ويدعوه للانصراف عاجلاً.

وبجانب “معيتيق” يطفو اليوم على السطح “فتحي باشا أغا”، وزير الداخليّة الذي استند إلى دعم أنقرة له والتجرّؤ على مواجهة السرّاج بل والكيد له عند خصومه.

تبدو ليبيا على مقربة من اجتماع جديد لكلّ القوى والفصائل الليبيّة، وأمام دعوة لاستنهاض هِمَم الليبيّين، لاختيار مجلس رئاسيّ جديد بنائبَيْن، وعلى بُعْد خطوات من التئام كافّة مكوِّنات الشعب الليبيّ، تمهيدًا لمصالحة شاملة برعاية أمميّة، وبدعم جهود أصدقاء ليبيا المخلصين، لا سيّما الأشقّاء من العالم العربيّ، عطفًا على الجناح الجنوبيّ من دول البحر الأبيض المتوسّط.

ليبيا أمام أفق جديد .. دعونا نتفاءلْ.