fbpx

الثلاثاء 1 رمضان 1442ﻫ - 13 أبريل، 2021

لماذا رفضت مصر قبول المساعدة الدولية لحل أزمة قناة السويس؟

img

بعد نحو أسبوع من جنوح ناقلة الحاويات البنمية العملاقة “إيفر غيفن” (Ever Given) بقناة السويس، أعلنت هيئة القناة أمس الاثنين إعادة تعويم السفينة من جديد، واستئناف حركة المرور في المجرى الملاحي المتوقفة منذ الثلاثاء الماضي.

ويمر عبر قناة السويس حوالي 12% من حجم التجارة العالمية، إضافة إلى ما يمثل 10% من حجم تجارة النفط عبر البحار عالميا، وتسبب جنوح الناقلة وإخفاق جهود تعويمها لأيام في تزايد اضطراب الاقتصاد الدولي، المتأثر فعليًا بتداعيات جائحة كورونا التي دخلت موجتها الثالثة.

كما خسرت مصر ما بين 13 و14 مليون دولار من الإيرادات اليومية للقناة منذ توقف الملاحة، وفق ما أعلنه رئيس هيئة القناة أسامة ربيع في مؤتمر صحفي السبت، في حين لا يزال من غير الواضح حجم الخسائر جراء جنوح السفينة لستة أيام متواصلة وتسببها في تعطل حركة الملاحة.

ودفع إغلاق القناة شركات شحن إلى تغيير مسارها إلى رأس الرجاء الصالح، كما ذكرت مجموعة “ميرسك” (Maersk) العالمية للشحن في بيان الاثنين أن وضع السفينة البنمية نجمت عنه اضطرابات في نشاط الشحن العالمي، قد يستغرق زوالها عدة أشهر.

الخطة “ج”

وكانت مصر تعتمد على 3 سيناريوهات وخطط للتعامل مع الأزمة، أولها “شد الناقلة باستخدام القاطرات”، وثانيها “التكريك”، أي الحفر في محيط مقدمة السفينة، واستخدمت كليهما في الوقت نفسه بهدف تقصير زمن المهمة، حسبما ذكر رئيس الهيئة.

واعتمدت مصر في السيناريوهين السابقين على قاطرات وكراكات محلية، عاونتها سميت سالفدج (Smit Salvage)، وهي شركة هولندية متخصصة في عمليات إنقاذ السفن المنكوبة، إضافة إلى أخرى إيطالية.

وكان ربيع قد كشف أن بلاده ستلجأ حال فشل “السحب والتكريك” إلى الخطة “ج”، أو السيناريو الثالث، الذي لم تكن ترغب في الوصول إليه ويقوم على تخفيف حمولة الناقلة.

ومع تنامي المخاوف المحلية والدولية، وتربص مشاريع ممرات إقليمية وعالمية بديلة للمجرى الملاحي المصري، أثيرت تساؤلات عن أسباب التردد في طلب المساعدة أو اللجوء إلى الخطة “ج” التي أعلنت مصر تبنيها حال فشل الجهود الذاتية للأزمة التي شارفت أسبوعها الأول.

وعزا خبراء عدم لجوء مصر إلى الخطة “ج” المعنية بتفريغ حمولة الناقلة، وتداعياتها المتمثلة في طلب المساعدة الدولية لتعويض قلة الإمكانيات المحلية، إلى عدة أسباب تتعلق بـ”الارتباك من تحمل تكاليف أزمة غير مسبوقة، والموقف المصري المتعلق بالكرامة الوطنية والنفوذ، وعدم جدية بعض العروض، وإحراز تقدم في الجهود المبذولة، وأخيرا الابتعاد عن تدويل أزمة قد تخصم من رصيد النظام أمام الشعب”.

جدير بالذكر أن الشركة الهولندية التي يعتقد أنها قامت بجزء رئيسي من محاولات الإنقاذ، لا تدخل ضمن نطاق المساعدات الدولية، حيث تتحمل تكاليف عملها الشركة المالكة للسفينة.

وسبق أن أوضحت هيئة قناة السويس أن الشركة المالكة للسفينة بادرت بالتعاقد مع الشركة الهولندية، والتنسيق مع الهيئة للالتحاق بفريق عملها خلال اليومين التاليين للحادث.

عروض وترحيب وتردد

ورغم ترحيب القاهرة بعروض المساعدة الدولية، وأبرزها من واشنطن وموسكو وأنقرة لحل الأزمة، فإنها ترددت في قبولها، وإن كانت بدأت قبل يومين التحضير لسيناريو تخفيف حمولة حاويات الناقلة البالغة نحو 224 ألف طن، كي تتمكن من استكمال رحلتها التي بدأت من الصين إلى هولندا.

وكان الفريق ربيع ذكر أن “مصر ستطلب المساعدة (الدولية) إذا قررت تبني السيناريو الثالث (تفريغ الحاويات) إذا فشلت جهود (السحب والتكريك)”، مع تأكيده على الاستعداد لهذا السيناريو عبر جلب المعدات اللازمة.

وشكك مراقبون في جدية هذه العروض، وإن كانت التجارب في حوادث سابقة تشير إلى أن لها كلفة على البلد المضيف، حتى وإن جاءت على سبيل المساعدة والتعاون المجاني، من حيث توفير الاستضافة والوقود والتأمين وغيرها.

لن تقدم الكثير

الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أوضح أن كل ساعة تأخير في سرعة إنهاء مشكلة قناة السويس تتسبب في زيادة مشاكل للأسواق العالمية، ولذلك فهو يعتبر أن المساعي الدولية تمثل واجبا دوليا لتقليل خسائر الاقتصاد العالمي.

 

وفي تصريحات للجزيرة نت، أكد أن الجهود المبذولة سواء من جانب آليات القناة أو معدات الشركة الهولندية، كانت تحرز تقدمًا كبيرا في اليومين الماضيين، ولذلك ساد الاعتقاد بأن المساعدة الدولية لن تقدم أكثر مما تم.

وفيما يخص تداعيات الأزمة وخسائرها المتوقعة، أكد عبد المطلب صعوبة تصور الأمر حاليًا، موضحًا أنها ستتوقف على الفترة التي تستغرقها إعادة الأمور لطبيعتها فى القناة.

كما قلل من أهمية الحديث عن تصاعد فرص الممرات المائية البديلة، قائلا إنها ترفع تكاليف النقل والشحن والتفريغ لكنها موجودة، والاستثمار العالمي يعرف أين ومتى وكيف يوجه استثماراته، مشددًا على أن الاقتصاد هو من يتحكم في السياسة وليس العكس.

ضغوط دولية

بدوره، قال الأكاديمي في استكشافات الطاقة عادل دوبان إن مصر لم تتردد في قبول المساعدة الدولية لحل الأزمة، مشيرًا إلى أن هيئة قناة السويس رحبت بها، ولكن عندما يحين وقتها.

وفي تصريحات للجزيرة نت، استبعد دوبان وجود ضغوط دولية أو أميركية لقبول المساهمة في الحل، مؤكدًا أنه “حادث عادي يتم التعامل معه فنيًا”.

وأشار دوبان، الذي كان يعمل جيولوجيًا في شركة خليج السويس للبترول (حكومية)، إلى أن كل المعدات اللازمة للسيناريوهات المصرية المختلفة متوفرة أو تم طلبها.

البحث عن انتصار

ومن جهته عزا الخبير الاقتصادي مصطفى شاهين التردد المصري في قبول المساعي الدولية إلى “البحث عن انتصار عظيم في تعويم السفينة”، مشيرًا إلى أن “دخول الغرب وتركيا على خط الأزمة وقيامهم بتعويم الناقلة كان سيخصم من رصيد نظام السيسي أمام الشعب”.

وفي تصريحات للجزيرة نت، استبعد شاهين وجود مؤامرة على القناة لصالح ممرات بديلة بينها المشروع الإماراتي الإسرائيلي (لنقل النفط الخليجي من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط)، وأوضح أن الأمر لو كان مقصودًا ستطول أزمة جنوح السفينة البنمية شهرًا أو شهرين، ويدعم ذلك عدم طلب الاستفادة من الدول الأخرى لحل الأزمة.

وحذَّر من أن مصر تعد من أبرز الخاسرين في أزمة جنوح الناقلة، مستشهدًا بالأرقام الرسمية التي رصدتها الهيئة لخسائرها المادية من توقف القناة، إضافة إلى خسائر شركات الشحن التي قد تتجه نحو مسار رأس الرجاء الصالح بما يسبب خسائر على كل الأطراف.

عروض غير جادة

واتفق مع الطرح السابق الباحثُ في العلوم السياسية عمر سمير، مؤكدًا أن الموضوع معقد وهناك ما يدفع مصر إلى التردد في قبول المساهمات الدولية، مضيفا للجزيرة نت أن الموقف المصري متعلق إلى حد ما بالكرامة الوطنية، وأن أي مساهم في حل أزمة القناة قد تكون له نفوذ ويد في قضايا أخرى.

وذكر أن نظام السيسي ترك الأمور حتى تحركت الشركة المالكة للسفينة لأنه كان مرتبكًا من تحمل أي تكاليف، أو لأنها أزمة لم يكن قبلها ما يمكن القياس عليه، في وقت لم يتضح فيه حدود المسؤولين عن الأزمة.

وحول عروض المساهمة الدولية لحل الأزمة، أوضح سمير أن روسيا لم تكن جادة في عرضها، وهي تروّج لطريق بحر الشمال بديلا لقناة السويس.

وفيما يخص الولايات المتحدة، رأى الباحث المصري أن وصول المعدات البحرية المتقدمة قد يستغرق المزيد من الوقت، ليبقى الأقرب للنظام العرض التركي.

غير أنه رأى أنه كان “المستبعد قبوله لحساسية العلاقة، رغم أن الأتراك من الممكن أن يكونوا جادين حتى لو لم يمتلكوا المعدات الأفضل”، محذرًا من تداعيات استمرار التردد في الاستعانة بالخبرات الدولية.

الربح والخسارة

وتوقع سمير استفادة الممرات المائية البديلة من الأزمة على غرار شركات تشغيل خط “سوميد” (Sumed)، الذي ينقل النفط الخليجي من ميناء العين السخنة المصري بالبحر الأحمر إلى ميناء سيدي كرير المصري أيضا ولكن على البحر المتوسط.

وأشار إلى أن خط إيلات عسقلان رغم محدودية قدراته فإنه سيستفيد أيضًا بأن يكون بديلا منطقيا أقل كلفة من رأس الرجاء الصالح في نقل الغاز المسال، إضافة إلى خط إيست ميد، وهو أحد المشروعات التي تهدد خط سوميد المصري، ودشنته إسرائيل واليونان وقبرص وإيطاليا مطلع 2020.

ومن المستفيدين من الأزمة، وفق الباحث المصري، خط بحر الشمال ومن خلفه روسيا، والقطار الصيني السريع والعملاق للبضائع (أعلن عنه منذ سنوات ويربط الصين بأقاصي أوروبا).

وفي ضوء تنامي الخطوط البديلة وأزمات قناة السويس، حذَّر سمير من تراجع الأهمية الإستراتيجية للمجرى الملاحي المصري، ما لم تنافس موانئه ولوجستياته نظيراتها في دبي وموانئ شرق آسيا.

  • العلامات :
  • لا يوجد علامات لهذا المقال.
img
الادمن

العدسة

اترك تعليقاً

العلامات

المنشورات ذات الصلة