fbpx

الجمعة 4 رمضان 1442ﻫ - 16 أبريل، 2021

لماذا تلاحق السلطات الجزائرية حركتي “رشاد” و”ماك”؟

img

تنظيمان تصفهما السلطات الجزائرية بغير الشرعيين ويقيم كبار قيادييهما في الخارج، باتا هدفاً رئيساً لأجهزة الأمن الجزائرية، بعد أن أطلق الرئيس عبد المجيد تبون يد الأجهزة لمحاربة أي وجود سياسي لحركة “رشاد”، و”الحركة من أجل استقلال منطقة القبائل” (ماك) التي تطالب بانفصال منطقة القبائل وتزعم تأسيس حكومة في المنفى، فيما وجدت الأولى في الحراك الشعبي الذي بدأ منذ عامين فرصة سانحة للتمركز في قلب الحراك والمشهد السياسي في البلاد، بعد سنوات من النشاط غير المعلن.

ووجّهت الرئاسة الجزائرية لحركة “رشاد” بوصفها “حركة ذات مرجعية قريبة من الإرهاب”، ولحركة “ماك” بوصفها “أوساطاً انفصالية”، اتهامات شديدة اللهجة باستغلال المسيرات الأسبوعية لتنفيذ “أعمال تحريضية وانحرافات”. وأصدر تبون خلال اجتماع للمجلس الأعلى للأمن، أول من أمس الثلاثاء، “أوامره للتطبيق الفوري والصارم للقانون ووضع حد لهذه النشاطات غير البريئة والتجاوزات غير المسبوقة، لا سيما تجاه مؤسسات الدولة ورموزها والتي تحاول عرقلة المسار الديمقراطي والتنموي في الجزائر”، مشدداً على أن “الدولة لن تتسامح مع هذه الانحرافات التي لا تمتّ بصلة للديمقراطية وحقوق الإنسان”.

قبل تصريحات تبون، كان عدد من المسؤولين في الدولة قد وجّهوا سلسلة تحذيرات عما يعتبرونه تغلغلاً لحركة “رشاد” داخل الحراك لصالح طروحاتها، باستغلال انسحاب كتل سياسية كثيرة من الحراك لأسباب مختلفة. لكن منعطف رصد ومراقبة السلطات لنشاط “رشاد” في الحراك والبلاد كان ببروز موجة الشعارات الأخيرة، خصوصاً بعد عودة مسيرات الحراك في 22 فبراير/ شباط الماضي، والتركيز المثير للجدل على مهاجمة جهاز المخابرات ووصفه بـ”الإرهاب”، إضافة إلى مهاجمة الجيش والجنرالات وتبون نفسه بوصفه “رئيساً مزوراً جاء به العسكر”.

وتزامن ذلك مع تركيز معارضين ينتمون إلى الحركة، بينهم الدبلوماسي السابق محمد العربي زيتوت، وأمير بوخرص (يعرف إعلامياً بأمير دي زاد)، واللذين ينشطان بشكل يومي عبر بث مباشر من خلال موقعي يوتيوب وتويتر يقدمان فيه تسريبات ومعلومات حساسة تخص الأمن والجيش والقيادات العسكرية، بصورة شكلت إزعاجاً كبيراً للسلطات، ما دفعها إلى محاولة جلب المعارضين عبر إصدار أوامر قبض دولية، والتحري في ما تعتقد أنها خلايا تمدهم بالمعلومات. توازى ذلك مع جمع المعلومات عن طبيعة تمركز نشاط “رشاد” في الداخل وهيكلها المحلي، إذ كانت الأجهزة الأمنية قد شنت في سبتمبر/ أيلول 2020 حملة اعتقالات طاولت عدداً من الناشطين المنتمين إلى الحركة والمشاركين في الحراك.

وتستند التوصيفات التي تطلقها السلطات على حركة “رشاد” بأنها حركة “ذات مرجعية قريبة من الإرهاب” إلى أن أبرز مؤسسي الحركة منذ عام 2007 والناشطين فيها هم من القيادات السابقة في “جبهة الإنقاذ” المحظورة، كمنسقها العام مراد دهينة، المطلوب للقضاء الجزائري بتهم الإرهاب ومحكوم عليه غيابياً بـ20 سنة. كذلك تستند التوصيفات إلى الداعمين للحركة في الخارج، وممن تعتقد السلطات أنه كانت لهم مواقف ملتبسة من المجموعات الإرهابية، كمنظّر الحركة عباس عروة، وعمر قيدوم ورشيد مصلي يوسف نجادي، وكذلك ضباط سابقين منشقين عن الجيش والمخابرات كالضابط محمد سمراوي (انسحب من الحركة قبل سنوات) والدبلوماسي المنشق محمد العربي زيتوت، وكلهم من المقيمين في عواصم غربية كفرنسا وبريطانيا وسويسرا وألمانيا وغيرها. وكذلك تستند السلطات إلى أن الحركة تتخذ من الانقلاب الذي قاده الجيش على المسار الانتخابي في 11 يناير/ كانون الثاني 1992، بعد فوز “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” (محظورة منذ مارس/ آذار 1992) كنقطة رئيسة ومحدد مفصلي لنشاطها السياسي.

لكن حركة “رشاد” التي كانت تملك قناة تلفزيونية تبث من الخارج “العصر”، تنفي عن نفسها أي توجهات لاستخدام العنف أو التحريض، وتعلن في مواثيقها وأدبياتها المعلنة أنها “تنتهج اللاعنف كوسيلة للتغيير”، وتعرّف نفسها بأنها “حركة جزائرية بادر إلى إنشائها والدعوة لها مجموعة من الجزائريين الذين عُرفوا بمعارضتهم المبدئية لنظام الحكم الذي تمخض عن انقلاب 11 يناير 1992 كمستقلين أو منضوين تحت أطر أخرى. ذلك أنه وبعد سنين عديدة من المعارضة تبين لهؤلاء أن يجتمعوا داخل حركة تكون بمثابة المحرك والمؤطر والمشجّع للجزائريين الذين يؤمنون بالتغيير الشامل في الجزائر، على اختلاف مشاربهم”.

كذلك تصف نفسها بكونها “فضاء واسعاً لكل الجزائريين على اختلاف رؤاهم وتعدد توجهاتهم، وهي تمقت التطرف بجميع أشكاله، وترفض كل ممارسات الإقصاء والتمييز”. وتضع مما تصفه “إنهاء حكم الاستبداد والفساد، وإحياء الأمل لدى الشعب الجزائري في إقامة دولة الحق والعدل والقانون، دولة تسودها المبادئ الديمقراطية والحكم الراشد” هدفاً رئيساً لها.

لظروفٍ ودواعٍ سياسية، وجدت حركة “رشاد” نفسها في ذات السياقات مع حركة “ماك”، والتي تطالب باستقلال منطقة القبائل (ذات الغالبية من السكان الأمازيغ)، ووُصفت الأخيرة في البيان الرئاسي الصادر بعد اجتماع المجلس الأعلى للأمن بأنها “أوساط انفصالية”، واللافت أنه للمرة الأولى في التاريخ السياسي للجزائر يتضمّن بيان رسمي صادر عن الرئاسة وصف “انفصالية”، وهو وصف عده بعض المراقبين خطأً سياسياً واتصالياً، كونه يقر بوجود طابع حركة انفصالية في البلاد.

منذ منتصف التسعينيات، ومع تطور المطلب والحركة الأمازيغية في الجزائر، برز تيار عرقي متطرف يستخدم الهوية الأمازيغية لأغراض المساس بوحدة التراب الجزائري، وينقل الهوية الأمازيغية من مطلب ثقافي وهوياتي مرتبط بالمطلب الديمقراطي في الجزائر، إلى محدد عرقي وجغرافي لانفصال منطقة القبائل، ورسمت هذه الحركة علماً خاصاً بالمنطقة كرمز سياسي (يختلف عن الراية الأمازيغية). بدأ مطلب حركة “ماك”، التي ترأسها فرحات مهني، بالدعوة إلى إقامة حكم ذاتي في المنطقة، قبل أن يتطور إلى مطلب انفصال تام عن الجزائر. وشكّلت الحركة في المنفى حكومة مزعومة مقرها في باريس، وتضم إضافة إلى ما تصفه الحركة بالرئيس فرحات مهني، ورئيس حكومة زيدان لفضل، 18 وزيراً، خمسة منهم لا تنشر صورهم لأسباب تقول إنها أمنية، ما يرجح إمكانية وجودهم داخل الجزائر وتحاشياً لملاحقتهم من قبل السلطات الجزائرية.

وتحصل الحركة على دعم مباشر من فرنسا وإسرائيل، ويرتبط رئيسها فرحات مهني بعلاقات وثيقة مع المؤسسات الإسرائيلية، ويزور قادتها تل أبيب باستمرار. وللحركة وكالة أنباء باسم “سيوال”، وتستخدم في بياناتها أدبيات تشير بوسم الاحتلال عند الحديث عن الشرطة أو الدرك والسلطات الجزائرية.

فرحات مهني مؤسس هذه الحركة وأبرز وجوهها يقيم في فرنسا منذ عقود، وهو مغنٍّ سابق وناشط سابق في الحركة الثقافية الأمازيغية، وسجن عقب أحداث الربيع الأمازيغي في إبريل/ نيسان 1980، وساهم في إنشاء حزب “التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” عام 1989. يستند مهني إلى رصيده النضالي من أجل الهوية والديمقراطية للدفع بمشروعه، وفي عام 1995 نجا فرحات من حادث طائرة إيرباص الفرنسية التي اختطفتها الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر، من مطار الجزائر وطارت بها إلى مارسيليا حيث تم تحريرها من الخاطفين.

وعلى الرغم من أن الحراك لا يتبنى مطالب حركة “ماك”، إلا أنها تعتبر أن نجاح الحراك في خلخلة النظام الحاكم في البلاد، يمكن أن يسهّل لها تنفيذ تصوراتها السياسية. ووجدت “ماك” في الحراك الشعبي فرصة سياسية للتموقع، خصوصاً بعدما نجحت في تشكيل مجموعات موالية لها في جامعات منطقة القبائل، كما لها موالون في الصحف أيضاً.

لا تحظى مطالب هذه الحركة وخيارها بأي إجماع في منطقة القبائل نفسها، إذ تفشل في الغالب في تحقيق استجابة لنداءات تطلقها، على غرار دعوتها السكان لتشكيل شرطة محلية، كما لا تحظى المسيرات التي تنظمها في مدن المنطقة بالمشاركة الغالبة. ويظهر البحث في ظروف ولادة هذه الحركة، إضافة إلى الدعم والجهات الخارجية التي ساهمت في صناعتها، أن الظروف السياسية والبيئة غير الديمقراطية التي شهدتها الجزائر خلال العقود الماضية، والصدامات المستمرة في منطقة القبائل بين السلطة وسكان منطقة القبائل والحركات الأمازيغية، في أكثر من محطة، والقمع العنيف الذي تعرض له السكان، كانت أكثرها دموية أحداث الربيع الأسود بين إبريل/ نيسان ويونيو/ حزيران 2011، والتي راح ضحيتها 165 شاباً قُتلوا على يد أجهزة الأمن خلال تلك الأحداث، دفعت بعض الناشطين في الحركة الأمازيغية إلى تبني مواقف أكثر تشدداً والدعوة إلى دولة عرقية للأمازيغ في منطقة القبائل.

  • العلامات :
  • لا يوجد علامات لهذا المقال.
img
الادمن

العدسة

اترك تعليقاً

العلامات

المنشورات ذات الصلة