fbpx

الجمعة 2 شوال 1442ﻫ - 14 مايو، 2021

قرية “تنكارف” .. مغاربة يخاطرون لانتزاع لقمة عيش من منجم ملح

img

من عمق مائتيْ متر تحت الأرض يستخرج سعيد قوت أسرته، هذا الرجل الخمسيني واحد من المغاربة “المنسيّين” في قلب “المغرب العميق”، وتحديدا في قرية تنكارف أيت عبدي نواحي مدينة بني ملال، المعروفة بقرية الملح.

يشتغل العاملون في منجم استخراج الملح بقرية تنكارف في ظروف وصفها أحد العمال الشباب بـ”الخطرة”، فمنذ أن تطأ أرجلهم فوهّة المنجم، وهو عبارة عن بئر عميقة، يحدق بهم الخطر، إذ ينزلون عبر أدراج ضيقة، ويعمدون في الغالب إلى نزع أحذيتهم كطريقة لتثبيتها بشكل جيد على الأرض تفاديا لخطر الانزلاق.

وفي حال تعثرت قدَم النازل إلى البئر فإنه لن يتوقف حتى يصل إلى القاع، وقد يُنقل من هناك إلى القبر.

غير أنّ عمالا لقوا حتفهم بطرق أخرى داخل الآبار، إما اختناقا، أو بسبب سقوط ركام من الحجارة عليهم أثناء الحفر لاستخراج الملح، حسب تصريحات العمال.

“نحن نعيش في خطر دائم، منذ بداية نزولنا إلى الآبار إلى غاية الوصول إلى قعرها”، يقول شاب يشتغل بين فينة وأخرى في استخراج الملح حين يتعذر عليه إيجاد عمل موسمي آخر.

وفي مرحلة الصعود، يضيف المتحدث، يلاحقهم خطر أشدّ، بسبب أكياس الملح الثقيلة التي يحملونها على ظهورهم، والتي يزيد وزنها عن أربعين كيلوغراما.

“لا أحد يستطيع أن يعمل هنا سوى أهل هذه المنطقة، لأنهم لا يتوفرون على مورد مالي لتدريس أبنائهم، واقتناء المواد الغذائية، لذلك يضطرون إلى العمل في هذه الآبار التي لا تتوفر فيها شروط السلامة، معرِّضين حياتهم للخطر”، يضيف الشاب نفسه.

لا يصل عمال بئر الملح في قرية تنكارف أيت عبدي إلى مكان عملهم المحفوف بشتى أنواع المخاطر إلا بعد بذل جهد مضْن لصعود جبل عال تتوسّطه فوّهة منها يدخلون إلى البئر، وفي حال وقع مكروه لأحدهم داخلها ولم يكن معه أحد من زملائه فلن يُغيثه أحد، فحتى تغطية الهاتف المحمول غير متوفرة في هذا المكان.

وحسب المعلومات التي أفاد بها الصافي خليفة، وهو واحد من عمال استخراج الملح، فقد لقي خمسة أشخاص مصرعهم داخل بئر تنكارف، “ولم تلتفت الدولة إلى أسَرهم”، مضيفا: “سبق للسلطات أن طلبت منا التوقف عن العمل في هذا المنجم، ولكن هذا غير ممكن، لأنه مصدر عيشنا الوحيد، وإذا أغلقته السلطات فإنها ستضعنا في أزمة ولن نجد ما نعيش به”.

ويعيش سكان القرية المعزولة وسط الجبال بين ناريْن، نار المغامرة بأرواحهم كل صباح في سبيل البحث عن لقمة العيش في قاع بئر الملح، ونار “الموت جوعا”، كما يقول الصافي خليفة، في حال التوقف عن مزاولة هذه المهنة، موضحا: “حتى الرعي لا قِبَل لنا به، لأننا لا نملك مالا لشراء الأغنام”.

الدخل اليومي لعمال بئر الملح في قرية تنكارف لا يتعدى دراهم معدودات، ذلك أنّ الكيس الواحد من الملح لا يبيعونه في الأسواق القريبة، مثل أنركي أو بوتفردة، سوى بخمسة عشر درهما، يخصمون منها كلفة النقل، وإذا كان العامل يتمتع ببنية جسمانية قوية تُعينه على العمل طيلة ساعات النهار، فإنّ دخله بالكاد يصل إلى مئة درهم، في أحسن الأحوال.

لا يتمنّى شباب تنكارف أن يسلكوا طريق آبائهم ويعملوا في آبار استخراج الملح. “لكننا لا نملك بديلا”، يقول أحد الشباب، مضيفا: “الحل الوحيد أمامنا هو العمل في هذا المنجم الذي عمل فيه آباؤنا، كأنه إرث تركوه لنا، ولكن ينبغي على السلطات أن توفر لنا حلولا أخرى حتى لا نظل معرّضين دائما للخطر”.

يقول أحد سكان القرية، وهو طالب يدرس في مدينة بني ملال: “الدولة نسيتنا، الأطفال هنا لا يعرفون المستشفيات، نحن لا نتسول المسؤولين، بل نطالب فقط بحقوقنا”، ذاهبا إلى القول: “نحن مازلنا نعيش في العصر الحجري”.

  • العلامات :
  • لا يوجد علامات لهذا المقال.
img
الادمن

العدسة

اترك تعليقاً

العلامات

المنشورات ذات الصلة