fbpx

الأحد 12 صفر 1443ﻫ - 19 سبتمبر، 2021

سمكري البني أدمين.. يكشف فساد المراكز الطبية الوهمية في القاهرة

img

أثارت حادثة القبص على صاحب أحد أشهر مراكز العلاج الطبيعي في القاهرة، الرأي العام المصري، وكشفت عن حالة الفوضى في المراكز الطبية الوهمية، ضاربين بعرض الحائط جميع الاشتراطات الصارمة والإجراءات المشددة التي تحددها وزارة الصحة لتشغيل العيادات والمراكز الطبية في مصر.

وألقت الأجهزة الأمنية في مصر القبض على صاحب المركز المشهور بعد اتهامه باستبدال المهنة في بطاقة الرقم القومي من خريج كلية التربية الرياضية إلى طبيب علاج طبيعي وتزوير شهادة التخرج الخاصة به.

وتستقطب تلك المراكز زبائنها عبر إعلانات مزيفة بمواقع التواصل الاجتماعي المختلفة لتبدأ رحلة بيع الوهم والتربح والتي تُكلل بالنجاح بسبب انجرار المرضى نحو الإعلانات التي تزعم استعانة المراكز بخبراء أجانب يقدمون أحدث ما وصل إليه العلم في مجالهم.

وكشفت حسابات مركز “سمكري البني آدمين” على مواقع التواصل الاجتماعي عن عدد من الصور والفيديوهات لصاحب المركز وهو يقوم بعلاج فنانين ومشاهير مصريين، منهم أمير كرارة وحسن الرداد وحمادة هلال وماجد المصري وإدوارد ومنة فضالي ومي سليم والمخرج محمد سامي والمطربة ساندي.

وباتت المراكز الطبية الوهمية مشكلة أزلية تؤرق الحكومة، ما يؤكد أن مواجهتها تستوجب خوض معركة شاملة وتغليظ العقوبات عليها لأقصى حد ممكن، لأنه قد تُزهق الأرواح جراء الجرائم المرتكبة في حق مهنة الطب من قبل دخلاء عليها.

وتقدمت نقابة أطباء العلاج الطبيعي مؤخرا بتشريع إلى البرلمان المصري يفيد بتعديل قانون مزاولة المهنة وتغليظ عقوبة منتحلي صفة طبيب علاج طبيعي، حيث أن العقوبة الحالية غير رادعة وتشجّع الدخلاء على التهاون في حقوق المرضى.

وتنص المادة العاشرة من قانون مزاولة مهنة الطب على أنه “يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين وغرامة لا تزيد على 200 جنيه (نحو 15 ألف دولار) أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من زاول مهنة الطب على وجه يخالف أحكام هذا القانون، وفي حالة العود يحكم بالعقوبتين معا”.

كما تنص المادة 212 من نفس القانون على “كل شخص ليس من أرباب الوظائف العمومية ارتكب تزويرا، يعاقب بالسجن المشدد أو بالسجن مدة أكثرها عشر سنوات”.

وترتب على غياب الثقافة لدى نسبة كبيرة من المترددين على هذه المراكز انتشارها، فهم لا يفتشون عن خبرات العاملين ومؤهلاتهم أو عن الطبيب الماهر الذي يتحدد من خلال معايير، أهمها أن يكون أستاذا جامعيا أو استشاريا بمستشفيات وزارة الصحة أو المستشفيات الخاصة الكبرى أو أخصائيا بمستشفيات حكومية، بجانب تخرجه في جامعة حكومية أو خاصة معتمدة.

فحوصات تقليدية

رضا أحمد، يعمل بمنطقة المرج بشمال القاهرة، مرض ذات يوم، فقرر الذهاب لإجراء الكشف الطبي بأحد المراكز الطبية في المرج، والتي كانت متشعبة التخصص، وعندما دخل إلى الطبيب بدأ يعدد له الأعراض التي يشعر بها.

وقال رضا وهو قادم من محافظة سوهاج في جنوب مصر للبحث عن رزقه في القاهرة “الطبيب قام بعمليات الفحص التقليدية من قياس الضغط وضربات القلب، ثم تفاجأت بأنه كان متناولا جواله الشخصي، وكل عَرض أو ألم أخبره به يكتبه على واتساب واحدا بعد الآخر ويرسلها إلى شخص ما ثم أبلغني الطبيب بالانتظار بالخارج حتى تتم طباعة الروشتة، ما أثار دهشتي، لكن كثرة المرضى المتواجدين بالمركز دفعتني إلى الاطمئنان بعض الشيء”.

وتابع رضا أنه تناول الدواء وشُفي، وبعد أسابيع قليلة بالمرور من أمام المركز وجد أنه تم إغلاقه، فلم يكن يديره أطباء حسب ما أخبره أصحاب المحلات المجاورة، وتبين أن هؤلاء الأطباء الوهميين كانوا يرسلون أعراض الأمراض إلى بعض الشباب خريجي كليات الطب عبر “واتساب” ويردون عليهم بالتشخيص والأدوية مقابل حصولهم على نسبة مالية من الكشف، وبعض المرضى كانوا يُشفون وآخرون يترددون مرارا على المكان، ومنهم من كان يتركه ويبحث عن طبيب آخر.

وتعد مجابهة تلك الكيانات مسؤولية إدارة العلاج الحر التابعة لوزارة الصحة التي لا تتخذ خطوات استباقية لكشف زيف العيادات الوهمية وتظل رهن شكاوى المتضررين.

ووصف إبراهيم الزيات عضو مجلس النقابة العامة للأطباء ومقرر اللجنة النقابية الوزارية ممارسات المراكز الطبية الوهمية من عمليات النصب على المرضى بـ”الغش الصحي والدجل الطبي”.

وأضاف أن هؤلاء لا يملكون مهارات طبية أو مؤهلات علمية لممارسة المهنة، ولا يختلفون عن المشعوذين الذين يستخفون بعقول الضحايا، والمثير أن من يقعون فريسة لهؤلاء ليسوا من البسطاء فقط، بل من ذوي مؤهلات علمية عليا أيضا.

ومن هنا تكمن الأزمة التي تتصاعد تدريجيا، حيث يستخدمون وسائل مختلفة للخداعة، ويستفيدون من الانتشار الواسع الذي حققته وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج من خلال كتائب إلكترونية تمتدحهم بغرض جذب الناس إليهم.

شكاوى الأطباء فقط

أكدت منى مينا عضو لجنة الشكاوى ووكيل نقابة الأطباء سابقا في تصريحات لـ”العرب” أن الرقابة على المؤسسات الطبية تحت سلطة وزارة الصحة بحكم القانون، وذلك من خلال إدارة العلاج الحر بالوزارة.

وأوضحت أن دور النقابات الطبية يقتصر على قيد المراكز الطبية بها عند الإنشاء، والذي يترتب عليه الحصول على ترخيص المزاولة ثم التسجيل بوزارة الصحة وبالتالي استلام رخصة الإنشاء، ولا تمتلك النقابات المهنية سلطة رقابية على المراكز الطبية بعد الإنشاء والتسجيل في الوزارة.

وأشارت إلى أن النقابات الطبية تتلقى شكاوى من بعض الأفراد ضد أطباء ومراكز طبية، لكن ما تبت فيه هو الشكاوى ضد الأطباء الذين تخلوا عن آداب المهنة، لأن النقابة لا تملك سلطة سحب التراخيص من المستشفيات أو تقييدها.

وقال الزيات إن إدارة العلاج الحر تعمل في حدود إمكانياتها والعدد المتاح لديها مطالب بضرورة زيادة عدد الأطباء المعينين فيها، لأنه لا يمكن أن تغطي تلك الإدارة كافة المراكز الطبية على مستوى مصر.

ولم تصمت إدارة العلاج الحر بالتعاون مع الأجهزة الحكومية المختلفة خلال الفترات الماضية، حيث تم ضبط مراكز وعيادات وهمية بمختلف التخصصات، لكن عدد المراكز الوهمية الذي تم ضبطه جاء بناء على شكاوى عديدة تلقتها وزارة الصحة، وقد جاء وقت يتطلع فيه الرأي العام إلى أي أنباء في هذا الصدد، خاصة بعد حادثة “سمكري البني آدمين” التي أثارت ضجة كبيرة في مصر مؤخرا.

وكشف مسؤول بوزارة الصحة أن أزمة عدم الرقابة المستمرة على المراكز الطبية والعيادات الوهمية تعود لقلة عدد المفتشين بإدارة العلاج الحر بالوزارة ومديريات الصحة، فلا يستطيعون حصر ومراقبة كل المراكز على مستوى الجمهورية، ويأتي تحركهم ضد الكيانات الوهمية غالبا كرد فعل شكاوى تخص مراكز بعينها.

وأكد، متحفظا عن نشر اسمه، أن العائق الأكبر عدم زيادة عدد الأطباء بإدارة العلاج الحر بوزارة الصحة وتفعيل الرقابة على دخلاء المهنة، ورفض الأطباء العمل بتلك الإدارة عقب تخرجهم، لأنها وظيفة إدارية لا صلة لها بمزاولة مهنة الطب.

وتعاني مصر من هجرة الأطباء بشكل عام بسبب عدم توفير الأجر اللائق لهم بعد التخرج، فضلا عن الخلل التنظيمي والهيكلي الذي يضرب المستشفيات الحكومية، جراء آلية العمل العشوائية وتردد البسطاء عليها وعدم توافر الأّسِرة والأدوات اللازمة لعلاج المرضى.

وأعلن المكتب الفني لوزارة الصحة أن عدد الأطباء البشريين المسجلين والحاصلين على ترخيص مزاولة المهنة من نقابة الأطباء باستثناء من وصلوا سن المعاش، يبلغ 212 ألفا و835 طبيبا، يعمل منهم في جميع قطاعات الصحة بالمستشفيات التابعة للوزارة أو المستشفيات الجامعية الحكومية أو القطاع الخاص نحو 82 ألف طبيب فقط، بنسبة 38 في المئة من عدد المسجلين والحاصلين على ترخيص مزاولة المهنة.

وبالمقارنة بين الرقمين، يتضح أن 62 في المئة منهم متسربون من المنظومة الطبية بسبب السفر إلى الخارج للعمل أو لاستكمال الدراسات العليا أو للحصول على إجازات دون راتب أو الاستقالة نهائيا من العمل الحكومي.

قنبلة موقوتة

تخلص الدراسة التي قام بها المكتب الفني لوزارة الصحة إلى أن مصر لديها طبيب لكل 1162 مواطنا، بينما المعدل العالمي هو طبيب لكل 434 مواطنا، طبقا لمنظمة الصحة العالمية.

وأشار مسؤول وزارة الصحة في تصريحات صحفية إلى أن الفترة الماضية، وتحديدا منذ بدء جائحة كورونا، شهدت تدشين مراكز طبية غير مرخصة، استغلالا للظروف الراهنة، كما أنشأ عدد من غير المتخصصين معامل تحاليل طبية غير مرخصة وقاموا بتوظيف بعض الشباب من خريجي كليات العلوم وتم ضبط تلك المعامل وإغلاقها.

ولفت حسام عمران عضو اتحاد نقابات المهن الطبية إلى أن المراكز الوهمية قنبلة موقوتة لأن هناك من يحصلون على شهادات في التخصصات الطبية من جامعات أجنبية خارج مصر غير معترف بها، لاسيما من روسيا.

وقال “يجب أن تشن وزارة الصحة حملات دورية على العيادات والمراكز الطبية باستمرار، وقد يتم ذلك بمشاركة النقابات لأن الدور الرقابي للوزارة ضعيف، ولا يمكن تقويته بزيادة عدد الأطباء، لكن بتوظيف خريجين بخلاف بكالوريوس الطب وتدريبهم على أنماط الشهادات لمعرفة الأصلية والمزورة”.

وأعلنت نقابة أطباء العلاج الطبيعي عن ضبط وإغلاق أكثر من 23 مركزا وهميا خلال أسبوعين على مستوى مصر، في حملة مشتركة مع إدارة العلاج الحر بوزارة الصحة ومباحث الأموال العامة، فضلا عن إغلاق أكثر من 300 مركز وعيادة على مدار الثلاث سنوات الأخيرة.

وأشار عمران إلى أن انتشار المراكز الطبية الوهمية للعلاج الطبيعي بكثرة مؤخرا أحد المؤشرات السلبية لانفصال العلاج الطبيعي عن كليات الطب، إذ كان العلاج الطبيعي سابقا ضمن تخصصات خريجي الطب البشري قبل أن يكون تخصصا منفردا بكلية منفصلة عن الطب.

ويتأجج الصراع بين حين وآخر بين أطباء العلاج الطبيعي مع اتحاد نقابات المهن الطبية، لأنهم يرغبون في الانضمام إليه، إلا أن مجلس إدارة الاتحاد يرفض بداعي أن دراستهم تختلف عن دراسة الطب البشري فضلا عن جهلهم بآلية تصنيع الدواء، حيث يضم الاتحاد خريجي الطب البشري والصيدلة والأسنان والبيطريين.

img
الادمن

العدسة

اترك تعليقاً

العلامات