fbpx

الجمعة 10 صفر 1443ﻫ - 17 سبتمبر، 2021

روسيا تعيد خلط الأوراق في سوريا

img

في مرات عديدة وسابقة، استهدف الطيران الإسرائيلي عدة مواقع في سوريا دون أي تعليق من أي جهة كانت، ولكن هذه المرة مختلفة، حيث علّقت روسيا مؤخرا على ضربتين عسكريتين قالت إن إسرائيل استهدفت بهما مواقع عسكرية داخل سوريا، وهو الاستهداف الذي أعلنه النظام السوري.

ويرى محللون وباحثون روس وسوريون وإسرائيليون، أن تلك الخطوة تحمل إشارات عن تغيّر ما طرأ على “قواعد اللعبة”، المفروضة منذ سنوات.

وجاء التعليق الروسي ضمن بيانين منفصلين أصدرتهما وزارة الدفاع الروسية بشأن ضربتين، الأولى استهدفت منطقة السفيرة بريف محافظة حلب، والثانية طالت مواقع في منطقة القصير بريف محافظة حمص.

وقالت الوزارة في بياناتها إن منظومتي الدفاع الجوي الروسيتين (بانتسير، بوك)، اللتين يمتلكهما الجيش السوري أسقطتا “معظم الصواريخ الإسرائيلية”، التي تتوزع على 4 في ريف حمص و8 بريف حلب.

وخلال السنوات الماضية لم يهدأ القصف الذي ينسب لإسرائيل على مواقع عسكرية في سوريا، تشير معظم التقديرات إلى أنها تتبع ميليشيات موالية لإيران.

وتنتشر المواقع في دمشق وريفها وحلب وريفها أيضا، وصولا إلى شرق سوريا في محافظة دير الزور، ووسطها في حمص ومحافظة حماة.

وحافظت موسكو في تلك الفترة على سياسة عدم التعليق على الضربات، على عكس النظام السوري الذي يصدر بيانات فورية تدين القصف وتعلن التصدي له.

لكن التغير في الموقف الذي خصَ الضربتين الأخيرتين بدا لافتا، خاصة مع النبرة الجديدة التي حاولت وزارة الدفاع الروسية تضمنيها في البيانين.

وفي الوقت الذي أشادت فيه الوزارة بعمل منظوماتها الجوية، ركزّت على المناطق التي خرج منها القصف، أولا من الأجواء اللبنانية، وثانيا من منطقة التنف الواقعة على المثلث الحدودي بين سوريا والأردن والعراق.

ما الذي طرأ؟

“هناك تحرك جديد من جانب وزارة الدفاع الروسية التي كانت تصمت في الغالب خلال السنوات الماضية”، بحسب ما يقول المحلل السياسي المختص بالشأن الروسي، رائد جبر.

ويتابع جبر “علينا أن نلاحظ البيانين كخطوة أولى من نوعها من جانب موسكو حيال الضربات الإسرائيلية”.

ويضيف أن هناك تغيرا واضحا، يعتقد أنه يرتبط بأن إسرائيل لم تستجب للدعوات الروسية المتكررة من أجل وضع قواعد جديدة للتعامل مع الوضع العسكري في سوريا، والتنسيق أكثر في هذا الشأن.

ويضيف المحلل السياسي قوله “هذه نقطة رئيسية بالنسبة لموسكو، وأنه آن الأوان لترتيب هذه المسألة، لا سيما مع اقتراب المجتمع الدولي من وضع آلية جديدة للحوار في سوريا”.

وتريد روسيا في الوقت الحالي أن تعزز إمكانية التفاهم مع الأطراف المختلفة، وذلك بشأن آليات التحرك العسكري داخل الأراضي السورية.

ويتابع جبر المقيم في موسكو: “مع العلم أن هناك توقعات روسية بأن أميركا ربما مقبلة على انسحاب جزئي أو كامل من سوريا، وهو أمر يترتب عليه تداعيات كثيرة”.

ولا تعلق إسرائيل في الغالب على ضرباتها العسكرية في سوريا، وهي سياسة سارت عليها في السنوات الماضية.

وكان لافتا من حديث مسؤوليها والمسؤولين الروس خلال الفترة الأخيرة أن هناك تنسيقا واضحا ومعلنا بشأن القصف الذي تنفذه بشكل متواتر.

وبدأ هذا التنسيق بصورة أوضح بعد حادثة إسقاط الطائرة في 2018، ليتم فيما بعد السير بموجب ما يسمى آلية منع التصادم.

وتتضمن الآلية عدم التصادم العسكري داخل الأراضي السورية وفي الأجواء، على أن يتم إخطار كل طرف للآخر عن الأهداف التي ينوي ضربها، قبل فترة محددة من الوقت.

ليست عن عبث

في غضون ذلك يقول المحلل السياسي الإسرائيلي، يوآب شتيرن، إن “المواقف الروسية وبيانات وزارة الدفاع التي تخرج لها معانٍ، هي ليست عن عبث”.

ويرى شتيرن أن الموقف الروسي الجديد يمكن أن نقرأه من اتجاهات عدة.

ويضيف: “هناك عوامل عدة لها تأثير على نص البيانات”.

وتغيب أي معلومات في إسرائيل عن معظم الهجمات التي يعلن عنها، ولا توجد بشأنها أي تفاصيل دقيقة، سوى تلك التي ينشرها النظام السوري، والتي تعتبر “غير دقيقة ولا تحوي على معلومات كافية”، بحسب المحلل الإسرائيلي.

ويتابع: “البيانات الروسية يجب قراءتها بشكل آخر، فهي قد تكون أقرب إلى الحقيقة أو أكثر دقة. في البيانين المنفصلين تتحدث موسكو عن اعتراض الصواريخ الإسرائيلية، وفي حال كان الأمر صحيحا فهذا يثير الاهتمام، لأن القدرات الإسرائيلية في ضرب الأهداف داخل سوريا كانت عالية جدا في السنوات الماضية”.

ومن زاوية أولى يوضح شتيرن “يبدو أن الروس قرروا عدم السماح لتكرار مثل هذه الضربات، وربما زودوا الطرف السوري بمعدات أو تقنيات جديدة”.

وهناك زاوية أخرى تشي بأن موسكو تريد أن تبعث بإشارة إلى أن “الطرف السوري لديه قدرات عسكرية أفضل من ذي قبل، وهي نقطة قد تقف وراء تلك البيانات الحديثة”.

ولم يستبعد المحلل الإسرائيلي أيضا أن يرتبط الموقف الروسي الجديد بالوضع الإسرائيلي الداخلي، والتغيرات التي طرأت بوصول الحكومة الجديدة.

رسائل غير واضحة

وتعتبر الضربات الأخيرة في ريف حمص وحلب الأولى من نوعها بعد استلام حكومة “بينيت- لابيد”، بينما الغارات السابقة فقد كانت في عهد بنيامين نتنياهو.

وخلال الفترة الأخيرة كان هناك علاقة مباشرة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونتانياهو “قائمة على الاحترام المتبادل، وربما التفاهمات غير المعلنة”.

وبذلك تأتي البيانات الروسية الجديدة، بحسب المحلل يوآب شتيرن كـ”رسالة إلى الطرف الإسرائيلي مفادها أنه ما كان يسمح في عهد نتانياهو لن يكون كذلك الآن”.

ومن وجهة نظر المحلل، فإن إسرائيل لا تريد التصعيد مع روسيا، ولهذا السبب كان هناك تنسيق دائم في السنوات الماضية، لافتا: “الموقف الروسي في سوريا مهم جدا من ناحية حرية العمل الإسرائيلي”.

التغير يرتبط بـ”الجغرافيا

قبل عام تقريبا صرح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، هيداي زيلبرمان، قائلا إن بلاده لن تتوقف عن ضرب إيران في سوريا، ومنعها من التموضع من جهة، ومن تمرير الأسلحة والتقنيات المتطورة لحزب الله في لبنان من الجهة الأخرى.

وكشف زيلبرمان عن عدد الضربات التي استهدفت مواقع لنظام الأسد وإيران في سوريا.

وأضاف: “أطلقت إسرائيل أكثر من 500 قذيفة وصاروخ ذكي خلال العام المنصرم ولم تتلق أي رد أو هجوم يذكر”.

الباحث في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية”، نوار شعبان يرى أنه يجب ربط بيانات وزارة الدفاع الروسية بمواصفات الضربة، من حيث مكان الهدف وطريقة دخول الطائرات والموقع المستهدف، بالإضافة إلى آلية الاستهداف.

ويقول شعبان: “أكاد أجزم أن الضربات ولو حصلت على جنوب دمشق في المناطق المعهودة لن يكون هناك أي رد روسي”.

ومن وجهة نظر الباحث السوري، فإن خروج موسكو عن صمتها بشأن الضربات يتعلق بـ”الجغرافيا”، حيث قدمت في بيانيها احتجاجا بأن الجبهات المستهدفة “مهمة لها عسكريا”.

إشارات

وبعد السيطرة على مدينة حلب حاولت روسيا بسط نفوذها على مناطق في محيطها، وعلى المنافذ الأرضية والمواقع اللوجستية.

ويتابع الباحث شعبان: “حلب مهمة للروس بشكل كبير، وتحاول موسكو إعادة رسم خارطة القوى النافذة على الأرض فيها. الضربات استهدفت مواقع محسوبة في نطاق الاستثمار الروسي، والبيانان أشارا إلى ضرورة الابتعاد عن ذلك”.

ويتوافق حديث شعبان مع ما يقوله المحلل السياسي، رائد جبر، ويقول: “بالفعل بعض الضربات موجهة ضد الإيرانيين لكن غالبا لا تقلق الروس. الضربات الأخيرة تم توجيهها إلى مواقع تقع تحت الإشراف الروسي المباشر”.

ويبدو أن هناك محاولات روسية لإعطاء إشارات لإسرائيل بأنه “لا يمكن الاقتراب من مراكز الأبحاث ومواقع التحكم التي تتبع للجيش السوري، ولائحة من الأهداف التي ليست مرتبطة مباشرة بإيران وقواتها الحليفة”.

ويوضح جبر: “روسيا الآن تصعد لهجتها مع الحوارات الجديدة التي تفتحها مع الولايات المتحدة الأميركية، وبذات الوقت كانت قد اتجهت بالفترة الأخيرة إلى تعزيز الدفاعات الجوية السورية بمعدات حديثة”.

وزاد المحلل السياسي، نقلا عن مصادر روسية تحدث معها: “هناك خبراء روس يتولون الإشراف على منظومات الدفاع الجوي. هي رسائل لإسرائيل بأن قواعد اللعبة تغيرت وأن عليها التعامل مع الواقع الجديد في سوريا. عمليات الاستهداف المتكررة ليس لها جدوى وسيتم إسقاط جميع الصواريخ”.

التوقيت مهم

أمام ما سبق من تطورات يغيب المشهد الذي ستكون عليه المرحلة المقبلة، والتي تتعلق بالاستراتيجية التي ستسير عليها إسرائيل في التعامل مع الانتشار الإيراني في سوريا.

ولا توجد أي مؤشرات عن تلك الاستراتيجية حتى الآن، سواء من خلال المتابعة بسياسة الضربات أو إيقافها لصالح حوار أو مباحثات ما.

ويقول المحلل السياسي الروسي، ديمتري بريجع إن “العلاقات بين روسيا وإسرائيل على أعلى مستوى. روسيا لا ترى في الضربات الإسرائيلية تهديدا لمصالحها طالما هذه الضربات لا تستهدف المصالح الروسية”.

ويضيف مستدركا: “لكن عندما يتم استهداف المصالح الروسية أو مصالح حلفاء روسيا فيمكن لموسكو أن ترد على هذه الضربات برد معين”.

ويرى بريجع، أن السبب الرئيسي للرد الذي أعلنت عنه وزارة الدفاع هو “من أجل الترويج لمنظومتي بانتسير وبوك، وهما منظومتان دفاعيتان لموسكو تعتبران من أفضل أنظمة الحماية للمنشآت، ضد الهجمات القريبة أو المتوسطة”.

أما السبب الثاني، بحسب المحلل الروسي فيتلخص في أن “الموقف الجديد يعكس نفاد صبر موسكو من تكرار الهجمات على مواقع تشرف عليها القوات الروسية بشكل مباشر أو غير مباشر، مثل مراكز القيادة والتوجيه التابعة لقوات النظام السوري أو مراكز الأبحاث العلمية والعسكرية”.

ويشير بريجع إلى أن توقيت الرد الروسي “مهم” لعدة أسباب بينها “تحسين صورة الأسد في الداخل السوري والخارج بعد الانتخابات الأخيرة. أما بخصوص القصف في ريف حلب وحمص فلا أتوقع بأنه يزعج موسكو طالما أنه يستهدف الوجود الإيراني”.

img
الادمن

العدسة

اترك تعليقاً

العلامات