fbpx

السبت 3 شوال 1442ﻫ - 15 مايو، 2021

رمضان سوس في زمن الجائحة .. عادات تلاشت وقيم تضامن تقوت في المغرب

img

للسنة الثانية على التوالي تفرض جائحة “كورونا” على المغاربة إدخال تغييرات جذرية على عاداتهم اللصيقة بهذا الشهر الفضيل، عادات تشمل على الأخص الجانب الديني والاجتماعي والاقتصادي.

وإذا كانت هذه الظروف قد نالت من العادات الرمضانية لدى المغاربة عامة، وشملت مختلف مناحي الحياة الفردية والجماعية، فإن مناطق سوس، بما يعرف عنها من طقوس خاصة، تأثرت بشكل كبير بهذه الظرفية.

وقال محمد بن التاجر، وهو أستاذ جامعي وفاعل جمعوي، إن رمضان في المغرب عموما، وفي مناطق وقرى سوس خاصة، له خصوصيات متميزة “تهم جوانب متعددة، منها الجانب الديني والروحي والغذائي والاجتماعي، وهي جوانب يوليها الإنسان السوسي والمجتمع المدني بهذه المناطق أهمية خاصة، فلهذا الشهر مكانة مقدسة تواكبها عادات وطقوس متعددة، غير أن تفشي “كورونا” ساهم، للسنة الثانية على التوالي، في تلاشي كل تلك التقاليد، وتغييب بعضها، نتيجة التدابير الاحترازية وقرار السلطات العمومية حظر التنقل الليلي”.

وأوضح المتحدث ذاته أن “أول جانب مسته هذه التغيرات المفروضة بفعل الجائحة هو المساجد، فمكانتها مقدسة إلى جانب الزوايا والمدارس العتيقة، فأضحت بعض التقاليد الدينية التي تسم هذا الشهر في قبائل سوس موقوفة التنفيذ، كالتئام الساكنة ضمن ما يسمى “لمعروف” في ليالي رمضان، في سمر ليلي يغلب عليه الجانب الروحي وذكر الله وتلاوة القرآن والأمداح النبوية وشرح صحيح البخاري وختمه في العشر الأواخر في إطار حفلات دينية حبلى بذكر الله، إلى جانب ما تتميز به ليلة القدر من مكانة خاصة لدى الساكنة، لما يواكبها هي الأخرى من مظاهر الاحتفال الديني، الذي يتسم بطقوس خاصة في سوس”.

وأضاف الأستاذ الجامعي أن “التدابير المتخذة لمنع تفشي فيروس “كورونا” فرضت تغييرات في نمط التواصل بين الأسر وصلة الرحم، إذ يلاحظ اليوم أنه في ظل هذه الظروف يتم الاعتماد أساسا على وسائل الاتصال الحديثة، حيث يتم إنشاء مجموعات خاصة بالعائلات أو القبيلة أو الجمعيات في تطبيقات التراسل الفوري أساسا، تتجدد فيها أواصر التواصل وتبادل الآراء ومستجدات القبيلة والأسر، بعد أن منع الناس من اللقاءات الجماعية والزيارات العائلية، ومن ممارسة عدد من العادات المرتبطة بهذا الشهر الفضيل”.

وارتباطا بالموضوع ذاته، قال الفاعل الجمعوي عادل تنلوست إن “سكان سوس، كغيرهم من المغاربة، يحرصون في شهر رمضان على الظهور بمظهر الأتقياء، فيكونون متشبعين بالقيم الإنسانية والدينية، ومتشبثين بالعادات والتقاليد والطقوس الرمضانية النابعة من القيم المغربية الأصيلة، فترتفع وتيرة صلة الرحم وارتياد بيوت الله، ويتزايد منسوب التضامن خلال هذا الشهر، إلى جانب ما تتميز به العادات الغذائية من طقوس متنوعة، خاصة في مناطق سوس، حيث لا تزال العديد من القرى والبوادي تحتفظ بها، وأبرزها “أزكيف” و”أكرن إجان” وخبز “تفرنوت” وطواجن “المعزي” وغير ذلك”.

 

وما زالت بوادي سوس تحافظ على عادات مرتبطة بالتقاليد الغذائية وممارسة الشعائر الدينية في شهر رمضان، مع ما يلازمها من مبادرات تضامنية إحسانية، تدخل ضمن قيم أهل سوس المتجذرة. لكن اليوم، تأثرت بظهور فيروس “كورونا”، الذي قضى بتغييب الطقوس الدينية الرمضانية، إذ صارت المساجد تغلق بعد الإفطار، وتم الاستغناء عن الموائد الجماعية لإفطار الصائمين، وتوقفت الزيارات بين الأهل والأقارب، غير أن ذلك لم ينل من قيم التآزر والتكافل والتضامن الاجتماعي المعروفة لدى ساكنة سوس، التي أبت إلا أن تقف في وجه الجائحة، باعتبارها موروثا قيميا لدى كافة المغاربة”، يضيف الفاعل الجمعوي ذاته.

وتابع تنلوست قائلا إن “ساكنة سوس تعيش خلال رمضان الحالي وضعا استثنائيا بسبب الجائحة، حيث تأثرت العادات والتقاليد بسبب الحجر الصحي، وتغيّب المصلون عن أداء صلاة العشاء والتراويح والفجر بالمساجد، وغابت عادات الإفطار الجماعي والسمر الليلي، لكن قيم التضامن المتجذرة في ساكنة سوس على وجه الخصوص أبت إلا أن تواجه الجائحة، وتضع حدا للشك في النفوس من خلال تقديم الإعانات والمساعدات للفقراء والمعوزين، وهي العادات التي ترسخت عند معظم القبائل بسوس، حيث يتم تنظيم مبادرات إحسانية على شكل “قفة رمضان” لمساعدة الساكنة على التغلب على الوضع الحالي الذي تمر منه، إلى جانب المساعدات التي يقدمها أعيان المنطقة والمجتمع المدني وفعالياته الاقتصادية”.

وذهب تنلوست هو الآخر إلى كون الجائحة فرضت التنازل عن حزمة من العادات والتقاليد في رمضان، قبل أن يستدرك قائلا: “غير أننا قمنا بتعويض ذلك بالتواصل والتضامن عن بعد من خلال وسائط الاتصال ووسائل التواصل الاجتماعي، التي استعادت مكانتها الحقيقية داخل المجتمع في زمن الجائحة، حيث أصبحنا نلتئم عن بعد في مجموعات تواصلية وكأننا حول نفس المائدة رغم بعد المكان.

كما أصبح التحضير للمبادرات التضامنية ينظم عبرها، وأنا عشت تجارب شخصية في منطقتنا إدوسكا أوفلا، كانت من أنجح المبادرات التي عرفت تضامن الساكنة مع بعضها البعض، بكل أريحية وعفوية، ولهذا تعود قفة رمضان بشكل واسع لتخفيف المعاناة، ولو نسبيا، عن بعض الأسر التي تعاني العوز والحاجة”.

  • العلامات :
  • لا يوجد علامات لهذا المقال.
img
الادمن

العدسة

اترك تعليقاً

العلامات

المنشورات ذات الصلة