fbpx

الجمعة 10 صفر 1443ﻫ - 17 سبتمبر، 2021

المغرب.. “المال غير المشروع” رشوة انتخابية تختبر مصداقية صناديق الاقتراع

img

مع اقتراب الانتخابات التشريعية في المغرب، عادت مرة أخرى قضية “المال غير المشروع”، وذلك لكسب أصوات الناخبين، حيثت تحدث عدد من مسؤولي الأحزاب السياسية “الكبرى” عن “الاستعمال البشع” للمال في الحملة الانتخابية الحالية، ومنهم مَن صرّح بأنّ المال “ينزل كالمطر” في بعض الدوائر الانتخابية من طرف من يُعرفون بـ”الأعيان”، دون أن تكشف السلطات إلى حد الآن عن فتح أي تحقيق في هذه المزاعم.

المال يعوّض الوسائل التقليدية

خلال الانتخابات التشريعية لسنتي 2011 و2016، انحسر استعمال المال لشراء أصوات الناخبين، بسبب الزخم السياسي الذي شهده المغرب غداة حراك 20 فبراير، وما تمخّض عنه من تغيرات في المشهد السياسي بالبلاد، غلّبت “التصويت السياسي” خلال تلك الاستحقاقات.

ويرى أحمد بوز، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس الرباط، أن استعمال المال ظل يلعب دورا كبيرا في العملية الانتخابية والتحكم في جزء كبير من مُخرجاتها، معتبرا أن مسؤولية استمرار هذه الظاهرة تتحملها الأحزاب السياسية، والدولة، والمجتمع.

وقال بوز، في تصريحات صحفية، إن المغرب تغلّب نسبيا على التدخل المؤثر في الانتخابات بـ”الوسائل التقليدية الفجّة التي لا تُسيء فقط إلى الانتخابات وإلى الأحزاب السياسية، بل تسيء أيضا إلى الدولة”، غير أنه أكد أن استعمال المال “عاد بقوة خلال الحملة الانتخابية الحالية”.

وتتمثل مسؤولية الدولة في استمرار استعمال المال لكسب أصوات الناخبين في “حيادها السلبي”، كما يرى بوز، مبرزا أنه قد تكون هناك صعوبات في إثبات هذا الأمر، “لكن الدولة الشاطرة في تتبع الجرائم بمختلف أنواعها لا يُعقل أن تكون عاجزة أمام جريمة هي الأخطر، لأنها ترهن مستقبل البلد برمته”.

وإذا كانت الدولة تتحمّل مسؤولية محاربة استعمال المال في الانتخابات فإن الأحزاب السياسية أيضا تتحمل المسؤولية، “لأن المنتخبين الذي يدفعون المال للناخبين من أجل التصويت لهم معروفون، ومترشحون باسمها”، يقول بوز، لافتا إلى أن “الهشاشة الاجتماعية تجعل الأموال التي يوزعها المرشحون حاجة مجتمعية للبحث عن مصدر دخل جديد”.

فقدان الثقة في الانتخابات

يَرى محمد الغلوسي، المحامي بهيئة مراكش، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، أن “المثير في موضوع استعمال المال غير المشروع في الانتخابات أن الحكومة التي تشتكي أحزابٌ منها من هذه الظاهرة هي المشرفة على تنظيم الانتخابات، وهي التي من المفروض أن تتحرك وتضع الوسائل الكفيلة بالتصدي لهذه الظاهرة التي رافقت كل الاستحقاقات الانتخابية”.

ويعتقد الغلوسي، أن الشكاوى من استعمال المال لاستمالة الناخبين احتدّت خلال الحملة الانتخابية الجارية، بسبب المنافسة المحمومة بين طرف الأحزاب السياسية على الظفر بالمركز الأول، على اعتبار أن الفصل 47 من الدستور نصّ على تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لنتائج الانتخابات.

وتابع المتحدث ذاته بأن الاتهامات المتبادلة بين الأحزاب السياسية بشأن استعمال المال في الحملة الانتخابية “يزيد المشهد السياسي غموضا وضبابية، لأن المواطن الذي يرى رئيسَ الحكومة بنفسه يشتكي من هذه الممارسات سيفقد الثقة في الانتخابات وفي العملية السياسية ككل”.

كما أكد الغلوسي أن على النيابة العامة أن تتدخل وتفتح تحقيقا في الحديث عن استعمال المال خارج ما هو مسموح به قانونيا من طرف المرشحين للانتخابات المقبلة؛ كما يقتضي الأمر، يضيف، “تدخُّل اللجنة المركزية المكلفة بمتابعة العملية الانتخابية وضمان شفافيتها، التي تضم تمثيلية وزارة الداخلية والنيابة العامة؛ وإلا فإن دورها سيكون شكليا”، وفق تعبيره.

ونبّه المتحدث أيضا إلى أن عدم تدخل المؤسسات المعنية وفتح تحقيق في استعمال المال من طرف المرشحين للانتخابات، وجعل الموضوع محفوفا بالصمت، يمكن أن يفضي إلى الاحتقان ويؤجج الصراع بين المتنافسين، “ويتّخذ طابعا عنيفا”.

القاسم الانتخابي يُعيد الأعيان

علاوة على الشقّ القانوني، يطرح استعمال المال غير المشروع في الحملة الانتخابية سؤالَ تأثيره على توجهات الناخبين؛ فرغم الاستهجان الذي تُجابَه به هذه الممارسة من خلال ما يجري التعبير عنه من طرف فئة مهمة من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، فإن تأثير المال على اختيار الناخب مازال قائما.

في هذا الإطار قال أحمد بوز إن “السنوات الأخيرة شهدت بروز ذكاء ووعي لدى المواطنين بخطورة استعمال المال في الانتخابات”، وزاد: “هناك ناخبون يتسلّمون المالَ فعلا، لكنهم عندما يدخلون إلى المعزل يختارون اختيارا آخر”، غير أنه استدرك بأنه “في ظل وضعية الهشاشة التي تعاني منها شرائح مهمة من المجتمع لا يُمكن القول إن المال لا يؤثر على توجهات الناخبين، وبالتالي على مصداقية الانتخابات ككل”.

ويرى بوز أن هناك وعيا متناميا في أوساط الناخبين بعدم الخضوع لأشكال الضغط التي كانت تمارَس في السابق، كضغط أعوان السلطة للتماهي مع خيار معين، وزاد مستدركا: “لكن يجب الإقرار بأن فئات أخرى تَعتبر لحظة الانتخابات مصدرَ دخل لتغطية الهشاشة المالية التي تعاني منها”.

وربط المتحدث ذاته عودة استعمال المال بقوة خلال الحملة الانتخابية الحالية بالتعديلات التي أُدخلت على القوانين الانتخابية، خاصة ما يتعلق بإقرار ما يُعرف بـ”القاسم الانتخابي”، معتبرا أنه “أعاد الأعيان إلى الواجهة، وخلقَ لهم فرصا جديدة لتسيُّد العملية الانتخابية، بعدما تراجعوا خلال انتخابات 2011 و2016، التي كان فيها التصويت السياسي”.

img
الادمن

العدسة

اترك تعليقاً

العلامات