بالطبع هذا الكلام لا يشمل جميع اللبنانيين، ولكن للأسف بتنا نعيش في وطن ترتكب فيه المذابح بحق الأبرياء ولا نرى مسؤولاً واحداً في السجن، ولولا ضغط الخارج لما استقالت حكومة حسان دياب التي لم تقدم شيئاً للبنان طيلة فترة حكمها.

المحزن في الموضوع هو أن لبنان يعاني، يعاني كثيراً من طبقة سياسية فاسدة استفادت من انقسام اللبنانيين وزادتهم انقساماً. فكل من يحاول الانتفاض بوجه السلطة تراه يُحَارَب من شتى الجهات وتسيّس تحركاته ويصبح عميلَ دول الخارج وممول من السفارات، وتصبح المقامات الرئاسية والحزبية أهم من وجع الناس وقهرهم.

لبنان يعاني نعم، من أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وصحية وبيئية وتنموية، ونضيف إلى تلك اللائحة التي تكاد لا تنتهي، أزمة وباء كورونا، لننتهي بالانفجار المزلزل لمرفأ بيروت. كل تلك الكوارث المتلاحقة ولم يرفَ جفن مسؤول واحد لبناني، لا بل حركت مشاعر دول العالم كله من خليجية وعربية وأجنبية، لنرى رئيس دولة أوروبية بين أحضان اللبنانيين، فيما الرئيس الفعلي الذي كان يعلم مسبقاً بمتفجرات المرفأ، لا يجرؤ على وضع قدم واحدة على أرض المناطق المدمرة ويتجول بين شعبه.

وعدتنا السلطات اللبنانية بانتهاء التحقيقات في خضون 5 أيام، حتى الساعة لم نسمع عنها شيئاً، فيما تنقسم الآراء بين مؤيد ومعارض لتحقيق دولي، وإذا أردنا التوصل إلى الحقيقة الفعلية، فلابد من تحقيق دولي شفاف يكشف تفاصيل وملابسات جريمة القرن، إلا أن هذا التحقيق سيكون سبباً إضافيا لانقسام الشعب اللبناني.

المشكلة كبيرة ومتجذرة تعود لأعوام إلى الوراء، منذ تأسيس هذا البلد ونحن ندمر ونعمر، وكأن الحروب والأزمات مكتوبة لنا لكي نعيشها ونسلمها من جيل إلى جيل. لبنان اليوم بحاجة إلى نموذج حكم جديد، لأن النموذج الحالي أثبت فشله والشعب لم يعد قادراً على التحمل، مع العلم أنه يتحمل مسؤولية كبيرة لوصول الأمور إلى ما هي عليه.

فإذا زلزال المرفأ لم يحرك ثورة بالملايين تسقط الزعامات فلا شيء سيحركنا، والسبب لأننا ضائعون وحائرون، بين تأمين لقمة عيشنا وبين التستر على المجرمين وعدم الانجرار خلف عواطفنا، تلك العواطف التي تنطفئ دوماً بعد مرور أيام على هول فاجعة نعيشها، والسبب يعود الى مسلسل طويل من الانفجارات والاغتيالات سبق وعشناها، أزمات سابقة انتفضنا عليها ولكن من دون نتيجة، لذا فقدنا أمل التغيير.

الشعب مبنج، مخدر، ضائع وحائر، لا يعرف كيف ينطلق بثورته بوجه طغمة حاكمة متجذرة بكل مفاصل الدولة، مع العلم أن التغيير بيد اللبناني وحده، بالانتخابات يمكننا أن نغير المعادلة، ولكن قبل هذا التغيير علينا أن نغير عقلية تفكيرنا السياسية للأحزاب التي نتبعها. فالتأييد السياسي للأحزاب ليس بخطيئة، ووجود الأحزاب في لبنان لا يعتبر خطأ، لا بل بالعكس هذا الوجود ضروري في بلد مثل لبنان، ولكن هنا تكمن المعضلة، إذ أنه للأسف المواطن لا يميز بين التأييد المنطقي والبنّاء للأحزاب، وبين التبعية السياسية العمياء للسياسيين مهما أخطأوا.

احترام حق النقد من المؤيدين قبل المعارضين لسياسة حزب ما يجب أن تكون مقدسة، كما وأن وضع مسؤولي تلك الأحزاب تحت طائلة المساءلة والمحاسبة واجب ضروري ووطني، وإذا هذا النموذج لا يمكن اعتماده لاعتبارات عدة أهمها أن “حزبي وزعيمي دائماً على حق” والأحزاب الأخرى خاطئة، فهذا يعني أنه علينا سحب رخص تلك الأحزاب جميعها ومنعها على الأراضي اللبنانية.

اليوم عادت الحياة إلى طبيعتها ولو على مضض، عادت البرامج التلفزيونية إلى جدولها الطبيعي، بدأت الناس تنسى، سيخرج عليّ البعض ليقولوا، لا لن ننسى ولو بعد مئة سنة أو حتى يوم مماتنا، ولكن بالطبع سننسى وسنكمل حياتنا وكأن الانفجار لم يحصل، وسنعود إلى خلافاتنا السياسية غداً عندما نختلف على الشركة الملزمة لبناء المرفأ، أو على الاسم المطروح لترأس الحكومة المقبلة، أو على لوائح الانتخابات الفرعية التي ستسدّ فجوة استقالات النواب الثمانية من البرلمان، وفيما نحن نتلهى بتلك الأمور السخيفة، تكون طريق جلجلة أهالي الضحايا بدأت وهي طريق صعبة وطويلة لأن “الجمرة ما بتحرق إلا مطرحها”.