fbpx

الثلاثاء 12 ذو القعدة 1442ﻫ - 22 يونيو، 2021

“التقارب التركي – السعودي”.. خطوات ما بعد “اللقاء الأول”

img

لم تحظ الزيارة التي أجراها وزير خارجية تركيا، مولود جاويش أوغلو، إلى العاصمة الرياض بزخم إعلامي ودبلوماسي داخل الأوساط السياسية السعودية، وهو ما بدا في اليومين الماضيين، سواء من قبل الساسة أو من جانب وسائل الإعلام الرسمية التي تنطق بلسان المملكة.

الزيارة “المفاجئة” بدت وكأنها خطوة أولى من جانب أنقرة في سبيل التمهيد لجولات “الحوار الصعب” مع الرياض، بعد سنوات من تأزم العلاقة بينهما، ورغم أنها تمت بالفعل على مدار يومين، إلا أن ظروفها لم تكن “مبشرة” ووفق المأمول منها بحسب مراقبين، خاصة أنها لم تتوج بمؤتمر صحفي بين جاويش أوغلو ونظيره السعودي، فيصل بن فرحان.

كما أن التصريحات التي خرجت منها كانت “شحيحة” واقتصر خروجها على الجانب التركي فقط، بينما لم يصدر أي تفاصيل واضحة عما دار وراء الكواليس من قبل الرياض. إذ التزمت بسياسة عدم الاندفاعة الفورية لهكذا خطوة، لأسباب قد تتعلق بما راكمته السنوات الماضية من التأزم في العلاقات، على خلفية عدة ملفات عالقة وإشكالية.

وفي تصريحات لوكالة “الأناضول” شبه الرسمية أعلن جاويش أوغلو بعد لقائه مع بن فرحان أن تركيا والسعودية “ستواصلان الحوار لمعالجة خلافاتهما العالقة”.

وأضاف الوزير التركي: “أود أن أوجه الشكر لأخي الأمير فيصل على دعوته وكرم الضيافة. عقدنا اجتماعا منفتحا وصريحا للغاية، وتناولنا بعض الإشكاليات في علاقاتنا، وناقشنا أيضا كيفية تعزيز التعاون في العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية. قررنا مواصلة الحوار ودعوته إلى تركيا”.

في المقابل لم يدل بن فرحان بأي تصريح عن مخرجات لقائه مع جاويش أوغلو، وإلى جانب ذلك لم تتطرق الوسائل الإعلام المقربة من الرياض أو المدعومة منها لذلك، واقتصرت الأخبار التي نشرتها على وصول جاويش أوغلو إلى الأراضي السعودية ولقائه نظيره السعودي فقط.

انفتاح منضبط

وكانت علاقات تركيا مع السعودية قد توترت بسبب دعم أنقرة لقطر في نزاع بين البلدين الخليجيين، ثم تصاعد التوتر إلى مرحلة الأزمة عندما اغتال فريق سعودي الكاتب والصحفي جمال خاشقجي الذي كان معارضا لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للمملكة.

عقب تلك التطورات تأزمت العلاقات أكثر، ووصل أوجها إلى حد المقاطعة التجارية للمنتجات التركية في السعودية، والتي انعكست آثارها بالسلب على نسبة الصادرات التركية إلى أراضي المملكة، منذ أكتوبر العام الماضي.

الكاتب والمحلل السياسي السعودي مبارك آل عاتي يرى أن السعودية تبدي “انفتاحا منضبطا اتجاه إعادة تحسن علاقاتها مع تركيا، منسقة في خطواتها تلك مع الأشقاء في مصر”.

ويتابع آل عاتي في تصريحات لموقع “الحرة”: “فالرياض في خطواتها المحسوبة في المسار التركي هي ترصد أيضا مسار التصالح المصري التركي، الذي انطلق في القاهرة عبر المحادثات الاستكشافية، برئاسة نائبي وزير خارجية البلدين ليحقق نتائج ملموسة لصالح القاهرة”.

وتعاملت الرياض مع زيارة الوزير التركي بأنها أول زيارة لمسؤول تركي للسعودية، “منذ إساءة أنقرة لعلاقات البلدين بعد حادثة الكاتب والصحفي جمال خاشقجي”.

كما اعتبرت الزيارة بحسب المحلل السياسي السعودي على أنها “تسهم في إذابة الجليد، وتساعد في رسم مسار المحادثات بين البلدين لمناقشة كل الملفات العالقة، عندما تقدم تركيا خطوات حقيقية تثبت الرغبة في إنهاء كل المآخذ العربية على إردوغان، بينها ملف الإرهاب، وملف التدخل في الدول والقضايا العربية”.

تنسيق سعودي- مصري- إماراتي

من نظرة أوسع على مستوى الإقليم كاملا فقد يكون من الصعب إثبات ارتباط خطوات التقارب بين تركيا ومصر مع تلك المتعلقة بالتقارب التركي- السعودي بصورة شبه مؤكدة بناء على معطيات رسمية.

لكن هذه المعادلة يراها خبراء ومحللون سعوديون وأتراك مرتبطة بشكل وثيق، لاسيما أن فتح الملفين من جانب أنقرة جاء بصورة متزامنة، وبخطوات تتقدم إلى القاهرة تارة وإلى الرياض تارةً أخرى.

وبينما يشير المشهد العام الذي فرضته الأسابيع الماضية إلى بوارد “انفراجة” على صعيد العلاقات التركية- المصرية بعد الزيارة الدبلوماسية الأخيرة التي احتضنتها مصر، يذهب بمنحى آخر إلى “زخم سلبي” يشوب خطوات حل الملفات العالقة في طريق العلاقات التركية السعودية.

وبحسب المحلل السعودي، مبارك آل عاتي فإن الرياض “تسير بخطوات متوازنة غير متسرعة، راغبة في إنهاء الأشقاء في مصر ملفاتهم العالقة مع أنقرة، ليتسنى لها أيضا مناقشة ملفاتها العالقة”.

ويوضح أن ما سبق “يؤكد وجود تنسيق مشترك وعالي بين الرياض والقاهرة والرياض وأبوظبي، ليتسنى وضع قطار المصالحة العربية التركية فوق مسار آمن ومثمر أيضا. لتثبت الرياض أنها قائدة لكل مسارات السلام في المنطقة”.

العلاقة مع السعودية لها خصوصيتها

في غضون ذلك تشير جميع التقديرات إلى أن السعودية ترغب في فتح صفحة جديدة مع تركيا، لكنها تتريث بحسب المشهد العام قبل الإقدام على خطوة كبيرة في هذا الخصوص، وتنتظر وضوح التوجهات التركية الجديدة، وما إذا كانت جادة أم مجرد “إعادة تموضع في الخطاب”.

كما أن السعودية ترهن أي تحرك تجاه أنقرة بنتائج المحادثات التركية المصرية، وهو ما أكده المحلل السعودي سابقا، وأن أي تقدم على المسار التركي المصري سينعكس إيجابا على المسار التركي السعودي والعكس.

ومن تفاصيل ما سبق يبقى مشهد المرحلة المقبلة غامضا، من حيث الآلية التي ستسير بها أنقرة والرياض لإعادة العلاقات كما كانت سابقا.

وما يزيد الغموض أكثر أن الملفات العالقة بين تركيا ومصر لا تتقاطع كثيرا مع السعودية، كملف شرق المتوسط مثلا أو الملف الليبي، ليبقى القاسم المشترك هو حالة “الاستقطاب”، بمعنى التحالفات التي تكرست في السنوات الماضية، وزاد من وقودها الأزمة الخليجية وانعكاساتها على مستوى الإقليم.

وتعليقا على ما سبق يقول الباحث في الشأن التركي، مهند حافظ أوغلو: “بالرغم من وجود قواسم مشتركة بين الانفتاح التركي على مصر والسعودية بحكم النهج التركي الخارجي الجديد، إلا أن العلاقات مع المملكة العربية السعودية لها خصوصيتها لعدة اعتبارات”.

وبشكل عام فإن السياسة الخارجية للرياض “تكون هادئة يغلب عليها “الهدوء الإعلامي إن صح التعبير”.

ويضيف حافظ أوغلو لموقع “الحرة”: “على سبيل المثال لا الحصر اللقاءات السعودية-الإيرانية برعاية عراقية، ولا ننسى المباحثات السعودية مع تركيا لشراء المسيّرات التركية وغيرها كثير”.

ويوضح الباحث التركي أن الزيارة الأخيرة لجاويش أوغلو “لم تكتسب زخما إعلاميا كالتي جرت مع القاهرة، لأن التحركات بين الجانب المصري والتركي كانت منذ عدة شهور، ولأن القاهرة صرحت على لسان بعض مسوؤليها على مدى عدة أشهر الكثير من التصريحات”.

ومن نقطة أخرى تتميز الزيارة إلى القاهرة بأن مصر كانت قد طالبت قبل وصول الوفد التركي بعدة ملفات، على رأسها وجود “الإخوان المسلمين” في تركيا، والوجود التركي في ليبيا وغيرها الكثير.

أما زيارة وزير الخارجية التركي إلى السعودية وما سبقها لم تتسم بالمعطيات المذكورة، بل ذهبت إلى مسارات أخرى.

الاستماع لما تريده الرياض

ومن بين المسارات التي تتميز بها زيارة وزير خارجية تركيا إلى الرياض بحسب الباحث حافظ أوغلو “الحراك الفلسطيني ضد العدوان الإسرائيلي على القدس، والتطورات العسكرية التي تزامنت مع الزيارة”.

بالإضافة إلى أن “الزيارة هي لتأكيد على الرغبة التركية الجادة للانفتاح على الرياض من جهة، وللاستماع إلى ما لدى السعودية من نقاط خلافية ومعرفة الأجواء السياسية والنفسية هناك”.

ويستبعد الباحث التركي فكرة أن اللقاء السعودي- التركي قد فشل، وبالتالي بقيت يد أنقرة الممدودة “فارغة” مقابل “حالة برود” أبدتها الرياض.

وبوجهة نظره فإن “قول البعض بأن الزيارة تهدف إلى دعوة السعودية للمقاطعة الشعبية ضد المنتجات التركية للتوقف فهذا بعيد عن قراءة الواقع السياسي”.

وسبب ذلك أن تلك المقاطعة “هي بعض آثار الخلاف بين الجانبين. في السياسة حلّ الخلافات هو أصل العلاقات الدولية، ومن ثم ستزول هذه الآثار تلقائيا أو على أقل تقدير ربما يُتكلم فيها لاحقا”.

ويرى الباحث التركي أن “الزيارة أتت أُكلها وحققت الهدف منها، وهو ما أعلن عنه جاويش أوغلو بالقول إنها كانت شفافة وصريحة وأن الجانبين قررا مواصلة الحوار”.

وسبق وأن كشفت مصادر مقربة من الحكومة التركية، في الأيام الماضية، أن زيارة جاويش أوغلو خطط لها من أجل التباحث حول الأوامر السعودية الأخيرة بإغلاق 8 مدارس تركية تعمل في الرياض ومحافظات أخرى، بالتزامن مع نهاية العام الدراسي 2020-2021.

وتشمل هذه الأوامر المدارس التركية الدولية في كل من الرياض وجدة وتبوك والدمام والطائف وأبها ومكة والمدينة المنورة، وتم الإعلان عنها منذ سبعة أيام، حسب ما تحدثت وكالة “الأناضول” شبه الرسمية.

وإلى جانب الملف المذكور، حمل جاويش أوغلو في جعبته بحسب المصادر التركية تفاصيل الخطوات الأولى لإعادة تطبيع علاقات بلاده مع السعودية، وجملة من الملفات العالقة، سواء السياسية أو تلك المرتبطة بمقاطعة المنتجات التركية.

  • العلامات :
  • لا يوجد علامات لهذا المقال.
img
الادمن

العدسة

اترك تعليقاً

العلامات

المنشورات ذات الصلة